علم الأعصاب: مد النسيان

يشيد مايكل هينيكا يشيد بدراسة مسحية كاسحة متميزة للخرف عن الخرف، تستكشف كلًا منآفاق الأبحاث البحث والتشخيص والرعاية.

الدماغ الهش: علم الخرف الغريب والمفعم بالأمل.

كاثلين تايلور مطبعة جامعة أكسفورد: 2016.

ISBN: 9780198726081

فينسينت، 87 عامًا، يعاني من الخرف، وتقوم ابنته برعايته في المنزل.

فينسينت، 87 عامًا، يعاني من الخرف، وتقوم ابنته برعايته في المنزل.

Anzenberger/Eyevine

لا يمكن اعتبار ارتفاع مستوى الإصابة بالخرف أمرًا مفاجئًا لأحد؛ فالأرقام من قبيل 9.9 مليون حالة مشخَّصة جديدة سنويًّا تم الكشف عنها منذ عدة عقود. وبقدر الوقت الطويل الذي يستغرقه منا تقبُّل تغيُّرات مماثلة على الصعيد الشخصي والاجتماعي والسياسي، تسير الأبحاث ببطء في مجال الكشف عن سبب الهشاشة التي تعتري أدمغتنا مع تقدُّمنا في السن.

يدور كتاب “الدماغ الهش” The Fragile Brain – لعالمة الأعصاب والكاتبة كاثلين تايلور – حول تلك الأبحاث، إلا أنه أكثر بكثير من مجرد طرح بسيط لأفضل ما تم نشره من دراسات. لقد قامت تايلور بتقديم قراءة ذاتية مُحْكَمة بشكل مذهل، حول ما نعرفه حاليًّا عن أسباب الخرف، ومرض ألزهايمر، وكذلك الحلول المحتملة، بدءًا من التعديلات في أسلوب الحياة، حتى تطوير الأدوية.

غطَّت دراستها – الغنية بالاستعارات الجذابة – تفاصيل الأحياء الجزيئية والتحاليل المجراة على نطاق واسع، بما فيها المشاهدات الوبائية، والدراسات الإكلينيكية. ويستفيض الكتاب ليغطي الخرف الناتج عن التصلب المتعدد، والسكتة، والتهاب الدماغ. فعلى سبيل المثال.. يتطور الخرف لدى 5-30% من الأشخاص، بعد إصابتهم بالسكتة الدماغية للمرة الأولى، غير أن تركيز الكتاب ينصبّ على مرض ألزهايمر، وهو أمر وجيه، حيث إن حوالي 80% من الأشخاص المصابين بالخرف تُشخَّص حالاتهم بإصابتهم بهذا المرض.

تستهل تايلور طرحها بمقارنة صادمة، فهي تضع تكاليف الاضطرابات المرتبطة بالخرف والتقدم في السن في مقارنة مع التمويل الشحيح المتوفر. ففي بريطانيا، وأستراليا، والولايات المتحدة – على سبيل المثال – يمثل تمويل أبحاث الخرف نسبة ضئيلة، إذا ما قورن بتمويل أبحاث السرطان، إذ لا تتجاوز 18% في الولايات المتحدة. ولوضع ذلك في الإطار المناسب، فقد عادت تايلور إلى تاريخ أبحاث الخرف؛ لتكشف بحذق عن أدوار العلماء الرواد ألويس ألزهايمر، وفرانز نيسل، وإميل كريبيلن في توصيف الحالة.

بعد ذلك، تأخذ القارئ في جولة عبر المكونات والمناطق المختلفة للدماغ، بدءًا من الخلايا العصبية المفردة، والناقلات، والمستقبِلات، وحتى التفاعلات المعقدة، والوظائف الإدراكية والسلوكية. ومن ثم، تصف الفقدان البنيوي والوظيفي للمَشابك العصبية، وكذلك الطرق المتعددة التي ينطوي بها الأميلويد ويتراكم بشكل غير طبيعي في أدمغتنا.

وتتميز مناقشة تايلور للخطورة – بشكل خاص – بالغِنَى؛ فهي تشرح كيفية فهم الدراسات التي تدور حول عوامل خطورة الإصابة بالخرف المتعلق بتقدُّم السن، ومرض ألزهايمر، مثل حمل طفرة في جين APOE4. كما تركز على تأثير الخلايا المناعية، وفاعليتها، كما في إزالة الأميلويد من الدماغ. وهكذا، تقضي بصورة بليغة على المفهوم الذي طال تَبَنِّيه حول الميزة المناعية للدماغ. ومن ثم، تشرح عوامل الخطر المشتبه فيها وتؤثر على ظهور أعراض الخرف، بدءًا من الالتهابات، حتى مضاعفات العدوى، والتغيرات الوعائية، وإنتاج أنواع الأكسجين التفاعلي، مثل بيروكسيد الهيدروجين.

وتظل عوامل الخطورة الكبيرة القابلة للتعديل التي نعرفها الآن، هي السكري، والبدانة، والتدخين. وتناقش تايلور هذا الجانب بشكل ودِّي، عوضًا عن النقاش المتغطرس، فهي تدرك تمامًا مدى صعوبة تغيير نمط الحياة. وعلى نحو مماثل، نجد أنها تتعامل مع الأدلة حول تأثير الحمية الغذائية، ونوعية الطعام، والعادات بحذر شديد، وتلخص الأمر في مقولة للكاتب مايكل بولان: “تناوَلْ الطعام، لكن لا تكثر منه، واجعل معظمه من النباتات”.

أمّا العوامل التي يصعب علينا التحكم فيها بشكل شخصي، مثل التوتر، والاكتئاب، والتلوث البيئي، والفقر، فهي تضعها في إطار الحاجة إلى المعالجة على نطاق اجتماعي أوسع. وتناقش التدخلات التي يمكن من خلالها تأخير أو منع الخرف، مثل اللياقة البدنية، والتعليم الجيد. ونحن نعلم من الدراسات الحديثة أن هذه الإجراءات يمكن أن تحيِّد العوامل الوراثية، مثل طفرات جين APOE4.

ولا تتجاوز تايلور سريعًا محدودية تأثير التدخلات المتَّبَعة حاليًّا، مثل الأدوية التي يمكنها – في أحسن الأحوال – أن تقدم تحسنًا عابرًا. فعلى الرغم من مرور عقود على أبحاث الخرف المكثفة، فلم يتم اكتشاف دواء خارق حتى الآن. وتواجه تايلور كآبة المشهد عبر تسليط الضوء على سبل جديدة يمكن أن تسلكها الأبحاث الحالية والمستقبلية، مثل المزيد من التحاليل للطرق الجزيئية.

وفي سياق مناقشتها لنظريات طبيعة الخرف، تشير تايلور إلى محدودية فهْمنا لبعض الأمور، مثل الوظائف الفسيولوجية للأحماض الأمينية في لويحات الأميلويد في الدماغ، ثم تقدِّم تقييمًا موضوعيًّا لفرضية “تراكم الأميلويد” amyloid-cascade، بحسناتها، مثل وجود أدلة على الطفرات الوراثية، وسيئاتها، مثل غياب النجاح العلاجي. كما تختبر الفرضية في سياق فكرتنا عن الدور الذي يلعبه الالتهاب الدماغي، لا سيما في مرض ألزهايمر.

تنتقد تايلور طريقة إجراء أبحاث الخرف، فهي تناقش – على سبيل المثال – محدودية نماذج الفئران المستخدَمة في تحليل آليّات المرض. ومن اقتراحاتها البناءة.. عدم حصر النماذج الحيوانية في دراسة أدمغتها، بل في دراسة الحيوان ككل، إذ إن الظواهر الطرفية – كالعدوى – لها تأثير عصبي. ومع ذلك.. وحسبما أشارت هي أيضًا، فإن تنفيذ مقترحات كهذه يتطلب رفع التمويل بشكل كبير.

وفي النهاية.. يتطرَّق كتاب “الدماغ الهش” إلى كيفية تفاعل الناس مع أولئك المصابين بالخرف، وكيف أنه من الضروري توفُّر كل من المعلومات والاحترام على حد سواء؛ فالمعلومات يمكنها أن تهوِّن مخاوف عديدة.

تمتلك تايلور موهبة في تحويل علم الأحياء المعقد إلى علم سهل، دون ابتذال. وهناك الكثير من مواطن الجمال في أسلوبها، مثل تشبيهها الجهاز المناعي بـ”قوات حفظ السلام”، وتشبيه الشفاء بما فعلته خطة مارشال الأمريكية لدعم أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. وهي تقوم – وببراعة – بتجنب المبالغة في تحليل النتائج عندما تكون الأبحاث لا تزال في مرحلة التخمين. وتعمل أسئلتها الاستفزازية حول الوراثة، والعادات، والسلوكيات، ومستويات المعرفة على تحفيز القارئ على البحث عن الأسباب، وطرح فرضيات بنفسه، والسعي لمعرفة ما إذا كان نوع معين من الجراحة، ومن أدوية التخدير – على سبيل المثال – يعملان معًا لحفز الخرف، أو زيادة خطره.

يقدم “الدماغ الهش” – باعتباره مصدرًا غنيًّا ومتاحًا لآخِر ما توصل إليه العلم الحديث – الشيء الكثير، لكل من عائلات مرضى الخرف، ومقدمي الرعاية الصحية لهم، واختصاصيي تشخيص الخرف وعلاجه، وللمختصين في عيادات الذاكرة. ينادي الكتاب بتغيير يمتد إلى الأسس التي تُبنى عليها مجتمعاتنا؛ إذ يرى أن علينا أن نختار أنماط الحياة، وأماكن العمل، والمؤسسات التي نعمل بها، و”ألا نعطي الأولوية للعمل والمال، بل نقدِّم عليهما الصحة ورغد العيش”. وقد بدأ بعض هذا التغيير يحدث بالفعل، وحَرِيّ بنا أن نكمل المسيرة.

المصدر