جيوكيمياء: مفاجأة أيونية في الموائع الأرضية العميقة

تشير النماذج إلى وجود تدرُّج قوي في تركيزات العناصر، وفي الأُسّ الهيدروجيني للموائع الموجودة في السطح الفاصل بين الصفيحة، وطبقة الوشاح، وهو ما يمثل انقطاعًا جيولوجيًّا رئيسًا في أعماق الأرض. وهذا الاكتشاف يغيِّر من نظرتنا إلى عمليات الانتقال الجيوكيميائية العالمية.

يحمل التكوين الكيميائي والنظائري للصخور والمعادن الأرضية بصمة مميزة تعكس الكيفية التي تكونت بها، وموضع نشأتها. وتوفر هذه المعلومات سجلًّا فريدًا للمقاييس الزمانية والمكانية للعمليات الكوكبية في الماضي ولتدفق العناصر الكيميائية ذات الصلة. ويتطلب تفسير هذا السجل معرفة بالظروف الكيميائية التي تتولد حينما تتفاعل الموائع المائية والمعادن في الأعماق الغائرة، لكنْ تعذَّر الوصول إلى مثل هذه المعلومات في الماضي. وفي بحث نشرته دورية Nature، يسجل جالفز وزملاؤه 1 طريقة لحساب التكوين والنوع الكيميائي للموائع المائية التي توجد في حالة اتزان مع الأنواع المختلفة من الصخور، كما يطرحون نموذجًا تنبؤيًّا لانتقال الكتلة عبر الجزء العلوي من مناطق الاندساس الأرضية؛ وهي المناطق التي تُجبر فيها أجزاء من إحدى الصفائح التكتونية على الانتقال أسفل صفيحة أخرى.

تتحكم حركة الصفائح الموجودة في القشرة الخارجية للأرض (الغلاف الصخري) في انتقال الكتلة في هذا الكوكب، كما يمكن إعادة تدوير الصخور التي تكونت على سطح الأرض الى أعماق تصل إلى مسافة 200 كيلومتر. ومع ارتفاع درجة الحرارة والضغط مع زيادة العمق، تمر الصخور بتحولات معدنية معقدة، تشمل إطلاق المكونات المتطايرة، مثل الماء، وثاني أكسيد الكربون. وهذه الموائع تنتقل بسهولة في البيئة الصخرية، بسبب انخفاض كثافتها، وقابليتها المرتفعة للطفو (الشكل 1)، كما أنها تقوم بدور عوامل النقل لمجموعة متنوعة من العناصر الكيميائية.


الشكل 1. حركة المائع في مناطق الاندساس الأرضية. يتم تعريض الصفائح المندسَّة للوحات الصخرية المحيطية (التي تتكون من القشرة المحيطية، والوشاح تحت المحيطي) لدرجات حرارة مرتفعة، وضغوط شديدة بصورة متزايدة. وكذلك تتفكك المعادن الموجودة في القشرة المحيطية المحتوية على مكونات متطايرة، مثل الماء، أو الكربونات، ويتم إطلاق الموائع المتحركة. كما ترتفع الموائع الطافية من الصفيحة، وتصادف الحد الفاصل بين الصفيحة، وطبقة الوشاح؛ أي المنطقة الكيميائية الفاصلة بين صخور القشرة المحيطية، وطبقة الوشاح العليا. بعد ذلك.. ترتفع هذه الموائع وتبرد، حتى تندمج في الصهارة. يعتمد تدوير العناصر على ذوبان المكونات الكيميائية في الموائع المائية في الصفيحة، وعلى تفاعل المائع ذي المكونات المتعددة في المنطقة الفاصلة بين الصفيحة والوشاح، وعلى اندماج الموائع وما تحمله من مواد ذائبة في الصهارة. ويقدم جالفز وزملاؤه 1في دراستهم نماذج محاكاة ديناميكية حرارية، تطرح لنا أفكارًا ثاقبة حول العمليات الجيوكيميائية التي تحدث في طبقة الوشاح، والصفائح العميقة.

كبر الصورة

وحينما تخترق الموائع الانقطاعات الرئيسة في الأرض، مثل الفاصل الحدودي بين الصفائح المندسَّة للغلاف الصخري وطبقة الوشاح العلوي، فإنها تقوم بدور الوسيط لتفاعلات الذوبان-الترسيب المعقدة، التي تسمح للمعادن المندسَّة بالوصول إلى الاتزان الكيميائي في بيئتها الصخرية الجديدة. وتغيِّر هذه التفاعلات بقوة من تركيز العناصر والنظائر الموجودة في الموائع وفي الصخور المحيطة، الأمر الذي يترتب عليه تحقيق التمايز الكيميائي لعناصر الأرض، والتحكم في حركة العناصر، وتحديد التدفق العالمية للعناصر.

ظَلَّ فَهْم تفاعُل الموائع المائية وتلك التي تحتوي على الكربون مع المعادن والصخور الموجودة في باطن أعماق الأرض يمثل تحديًا لفترة طويلة أمام الأبحاث المختبرية، ونماذج المحاكاة الديناميكية، غير أن التطورات التجريبية3,2 في الأعوام القليلة الماضية سمحت بقياس ذوبان المعادن، وثبات الأنواع الكيميائية في درجات الحرارة والضغط المتطرفة بدقة غير مسبوقة. وفي مسارٍ مواز، وَفَّرَت نماذج المحاكاة الذرية5,4 مقايسات جديدة للخصائص الكهروستاتيكية للماء في مثل درجات الحرارة والضغط هذه. وهذه البيانات الحديثة ضرورية لبناء مجموعات من البيانات الديناميكية الحرارية للأنواع الكيميائية المائية، التي يمكن استخدامها في نماذج محاكاة لتوقُّع تفاعلات الموائع مع المعادن، وانتقال العناصر في الأنظمة الطبيعية. وعادةً ما تشمل نماذج المحاكاة التنبؤية تلك ما يزيد على ستة مكونات كيميائية، والعديد من الأطوار المعدنية، وعشرات الأنواع المائية في الموائع7,6.

أدرك مؤلفو الدراسة أن التوازن ما بين المكونات المعدنية والأنواع الأيونية يمكن التعبير عنه باستخدام تفاعلات تحلل مائي بسيطة.

ومع ذلك.. لم يكن الحصول على معلومات عن التبادل المتزامن للعناصر المتعددة بين المعادن والموائع في الأعماق البعيدة للأرض ممكنًا، وذلك حتى الآن. ويقوم النموذج الحاسوبي الذي صممه جالفز وزملاؤه على فكرة أن المجهود الكيميائي للمكونات الرئيسة للتجمعات المعدنية في كوكب الأرض (مثل السيليكا، والألومينا، وأكسيد الصوديوم) تكون هي ذاتها، بغَضّ النظر عما إذا كانت موجودة في شكل أنواع مائية، أم على هيئة صلبة في الصخور. ويمكن أن يتم تحديد المجهود الكيميائي لكل المكونات في التجمعات المعدنية الثابتة، كما أنه يتحكم في النشاط الكيميائي لكل نوع، وفي التركيز الكلي للعناصر في الموائع التي تُوجَد مع بعضها في أي درجة حرارة، وتحت أي ضغط. وقد أدرك مؤلفو الدراسة أن التوازن ما بين المكونات المعدنية (الأكسيدات) والأنواع الأيونية يمكن التعبير عنه باستخدام تفاعلات تحلُّل مائي بسيطة ومستقلة، واستخدموا هذه المعلومة لتكون أساس النهج الحاسوبي الذي وضعوه.

تكشف نماذج المحاكاة التي صممها جالفز وزملاؤه أن المعادن التي تحتوي على مجموعات الهيدروكسيل، أو الكربونات، تتفكك مع زيادة الضغط وارتفاع درجة الحرارة، مكوِّنةً أطوارًا صلبة خالية من المواد المتطايرة، إضافة إلى مائع حر، وذلك أثناء حدوث عمليات الاندساس في القشرة المحيطية للأرض. ويقوم المائع بإذابة الأطوار المعدنية تدريجيًّا، ومن ثم يكتسب مجموعة متنوعة من الكاتيونات، وهو ما يجعله قلويًّا بصورة متوسطة. كذلك تنتج المعادن الموجودة في صخور البريدوتيت في طبقة الوشاح العليا التي تحيط بالصفيحة المندسَّة مائعًا قلويًّا في البداية، والسبب وراء ذلك هو إطلاق كاتيونات الكالسيوم من التجمع المعدني إلى المائع، لكنْ حينما تزيد درجة الحرارة على 500 درجة مئوية تقريبًا، تصبح كاتيونات الكالسيوم متوافقة مع المعادن ذات درجات الحرارة المرتفعة، ومن ثم ينتقل جزء منها من المائع إلى هذه المعادن. وبالتالي، تزداد حموضة المائع المائي في طبقة الوشاح، إلى أن تصل إلى درجة قلوية ضعيفة، أو شبه متعادلة. ولا تحدث هذه الظاهرة في صخور الصفيحة المندسة، ولذا.. يتولد تدرُّج حموضة حادّ في المنطقة التي تفصل ما بين الصفيحة، وطبقة الوشاح.

والسؤال الآن.. كيف يؤثر الفرق في الحموضة على تفاعل المائع والتغير الكيميائي عبر هذه المنطقة الجيولوجية الفاصلة الرئيسة؟ توضح نماذج المحاكاة التي صممها جالفز وزملاؤه أن تسلل المائع المستمد من الصفيحة إلى طبقة الوشاح التي تغطيه يتسبب في حدوث آثار غير خطية إلى حد بعيد، مثل الزيادة السريعة في قيمة الأُسّ الهيدروجيني للمائع، ويتبعه حدوث انخفاض حاد. وتستجيب الصخور التي تم التسلل إليها بطريقة غير خطية إلى حد بعيد هي الأخرى، وقد تصل إلى الحد الأقصى لقدرتها على فصل أو معادلة تغيرات الأُسّ الهيدروجيني، بعد أن تتعرض لمقدار معين من المائع. وتغيِّر هذه النتائج من وجهة نظرنا حول توقيت تحوُّر التكوين الكيميائي للنطاقات الجيولوجية الرئيسة للأرض، ومواضع حدوث هذه العمليات.

وقد وَسَّع المؤلفون النهج التنبؤي الذي توصلوا إليه، بحيث يشمل الموائع ذات التعقيد الأكبر، التي تحتوي على تركيزات ملحوظة من أنواع الربيطات، مثل الكربونات، أو الكلور؛ الأمر الذي سمح بدراسة الدورات الكيميائية للمواد المتطايرة (التي تشمل ثاني أكسيد الكربون)، وعلاقات ردود الأفعال بين سلوك الربيطة، وقدرة المعادن على الحركة.

والمصادر الأساسية للكربونات في مناطق الاندساس هي الرواسب المحيطية والقشرة المحيطية التي تعرضت للتغيرات، بينما يُستمد الكلور من ماء المحيط في مسام الصخور، وفراغات الصدوع. وفي درجات الحرارة بين 200 إلى 700 درجة مئوية، تُكوِّن هذه الربيطات تدريجيًّا أنواعًا ذات شحنات سالبة في الموائع، ومن ثم ترتفع تركيزات الكاتيونات – بما فيها أيونات الهيدروجين +H التي تحدد الأُسّ الهيدروجيني – في المائع لكي تعادل الشحنة السالبة. وبالتالي، فإن الموائع المائية المرتبطة بأي نوع من أنواع صخور الصفيحة ستكون على الأرجح ذات قلوية ضعيفة، أو تكاد تكون متعادلة. والكثير من تفاعلات الذوبان-الترسيب هي عمليات تبادل ما بين الأحماض والقواعد (وتتضمن استبدال أيونات الهيدروجين بأيونات المعادن)، ومن ثم فإن هذه الزيادة النسبية في حموضة المائع ستعمل – على الأرجح – على تعزيز ذوبان المعادن، وسهولة حركتها.

تتغير حالة تفاعلات الأكسدة والاختزال بين القشرة القارية العليا، وطبقة الوشاح، بما يزيد على 8 رتب أُسِّيَّة9,8، كما أنها تمارس ضوابط إضافية على توزيع الأنواع في الموائع المائية. فعلى سبيل المثال.. أنواع أكسيد الحديد الثلاثي تكون أقل استقرارًا، وأقل قابلية للذوبان في الماء بكثير من نظرائها من أكسيد الحديد الثنائي، كما أن ثاني أكسيد الكربون أكثر حموضة من الميثان (CH4). وتأثيرات هذه الخصائص تعمل في توافق؛ لكي تقلل من الشحنة الصافية في موائع الأعماق، ولكي تعزز من زيادة الحموضة. وينتقل هذا الاضطراب عبر الأنواع الكيميائية المختلفة، الأمر الذي تنتج عنه تحولات جديدة في التوازن الكيميائي، وفي علاقات ردود الأفعال. كما أن إدماج توازن تفاعلات الأكسدة والاختزال في النموذج الذي صنعه جالفز وزملاؤه سوف يسمح على الأرجح بالتعرف على التدرج الكيميائي، أو المناطق الفاصلة التي لم تكن معروفة فيما سبق في أنظمة الاندساس الديناميكية في الأرض.

المصدر