حوار بين صوتين


مواجهة قصيرة.

Illustration by Jacey

دخلت سفينة الكائنات الفضائية مدارًا حول القمر، والتزمت الصمت، متجاهلة جميع الرسائل الموجهة إليها عبر أجهزة البث. كانت عيون العالم مثبتةً على المركبة، بينما انطلقت بعثة روسية –أمريكية مشتركة؛ لإجراء اتصال معها.

ومع اقتراب كبسولة الرحلات من نقطة الالتقاء، راح أفراد الطاقمين يتجهزون للمواجهة التاريخية. كانت مارلا فام – من وكالة “ناسا”، ومتخصصة في اللغات – مكلفة بالصعود إلى متن السفينة الفضائية، بينما بقي الكولونيل بيوتر يوليانوفيتش سيمونوف – من وكالة الفضاء الروسية “روسكوزموس” – في الكبسولة.

لم تكن مارلا قد أفضت إلى المرشد – أثناء جلسات تقييمها – بأمر نوبات القلق التي تعاني منها. كانت آخِر نوبة داهمتها منذ سنوات، قبل خضوعها لجلسات التقييم الشفهي، لكنها ظلت تتفاقم منذ الإقلاع، وقد بلغت الآن ذروتها في هذه اللحظة الحاسمة. اجتاح الخوف مارلا، وراح يندفع بقوة عبر أوعيتها الدموية، وينبض بعنف في أعصابها. كاد الخوف يصيبها بالشلل، لولا أنها أجبرت نفسها على المرور عبر أنبوب التحام المركبتين، والولوج إلى المجهول.

بمجرد دخولها، أُغلق باب غرفة معالجة الضغط الخارجي، الخاصة بالسفينة الفضائية، بقوة. لم تستطع مارلا أن تتمالك نفسها؛ فارتعدت فرائصها، بعد أن حِيلَ بينها وبين طريقها الوحيد إلى بر الأمان. تحركت الغرفة الصغيرة الضيقة حركة دائرية، لتمتلئ بالهواء، وفُتح الباب الداخلي؛ ليكشف عن غرفة منزلية صغيرة مثيرة للدهشة.

الجاذبية الاصطناعية: 0.1G . درجة الحرارة: معتدلة، عند 26 درجة مئوية. المظهر: سجاد أزرق داكن مزخرف بأشكال هندسية صفراء. التجهيزات: طاولة خشبية منخفضة في وسط الحجرة، عليها إبريق شاي من السيراميك الأسود، يتصاعد من فوهته البخار، وإلى جانبه فنجانان من البورسلين الأبيض المائل إلى الصفرة، وأشكال سداسية ذات لون أزرق داكن باهت، ومصقولة في طبقة الطلاء الأخيرة. الإضاءة: منبعثة من السقف، وتحاكي – وفقا لغرفة التحكم التابعة للبعثة – الطيف الشمسي.

فكرت مارلا في أنّ “هذه الغرفة صُممت من أجل البشر”.

كانت الغرفة غير محمية، ومن ثم بقيت مارلا على اتصال بغرفة التحكم. نجحت في تجاوز لحظة عصيبة من الشلل الكامل، وحلحلة السدادة المثبتة على خوذتها.

طنَّ صوت بيوتر في أذنيها قائلًا: “ماذا تفعلين يا مارلا؟ هل جننتِ؟”.

أجابته برسالة نصية، بعثت بها عبر الحاسب اللوحي الذي تحمله؛ لتتجنب الحديث بصوت مرتفع: “أنا مكلفة بإجراء الاتصال”. ورغم احتجاجات بيوتر، ورغم مخاوفها، خلعت مارلا بزَّتها الفضائية، ووضعتها بجوار غرفة معادلة الضغط؛ فبغض النظر عن حجم المَخاطر التي يمكن أن تواجهها، لم يكن بإمكانها تناول الشاي وهي ترتدي هذه الملابس المصفحة. أمسكت مارلا حاسبها اللوحي بإحكام، وسارت بحذر نحو الطاولة، وجثت على ركبتيها؛ لتستنشق الهواء، المحمَّل بعبق شاي فيتنامي بنكهة اللوتس.

تساءلت في نفسها: “شاي فيتنامي! هل يمكن أن يكون قد أُعِدَّ خصيصًا من أجلي؟” ثم قالت باللغة الإنجليزية، وبصوت تغشاه رعشة طفيفة: “شكرًا لكم على تجهيز هذه الغرفة. إنها مريحة للغاية”.

ساد الصمت، ومر الوقت ثقيلًا كأنه ساعات؛ لكن عدسة العرض الخاصة بها أشارت إلى أقل من دقيقة. تَوَالَت الاقتراحات من غرفة التحكم عبر الحقل السفلي من مجال رؤيتها؛ لتخبرها أن معدل ضربات قلبها بلغ 120، لكن حالتها العصبية طبيعية.

جاءها صوت بيوتر: “لا شيء يحدث.. لا توجد إشارات”.

أخيرًا، صاحت مارلا بلغة الماندرين الصينية: “مرحبًا بكم في عالمنا”.

 لم يُجِبْها أحد.

أعادت عبارة الترحيب باللغة الفرنسية: “أحييكم بوُدّ”.

توقفت لبرهة.

جاءها صوت بيوتر من جديد: “لا يوجد رد”، ثم أردف: “يجب أن تعودي”.

كانت ترغب بشدة في أن توافقه، لكنها كانت تعلم أنها لن تسامح نفسها إذا عادت.

كَرَّرَت من جديد، ولكن باللغة الإسبانية: “أجيبوني من فضلكم. لقد قمتم برحلة طويلة إلى عالمنا. ولا بد أنكم أنشأتم هذه الغرفة لغرض ما”.

لم يُجِبْها أحد هذه المرة أيضًا.

قال بيوتر: “ربما تكون مجرد آلة”.

فكرت: “نعم… ربما تكون هذه المركبة الفضائية بأكملها مجرد فخ”، لكنها سرعان ما تراجعت، وطردت عنها ذلك الخاطر.

تحولت مارلا إلى اللغة الفيتنامية، قائلة: “لا بد أنكم كنتم تَوَدُّون عقد هذا الاجتماع. فضلًا …”، غاض صوتها في حلقها.

لا شيء.. سوى الصمت.

تابع بيوتر: “ربما تشعر بالخجل”.

عَضَّت مارلا على شفتيها.

نقرت على حاسوبها اللوحي قائلة: “ربما تكون مُحِقًّا”.

أجابها بيوتر: “حقًّا! هل تعتقدين ذلك؟”.

نهضت واقفة، ثم انحنت.

قالت: “أعتذر إليكم”، ثم أردفت: “لقد جئت لمقابلتكم، لكنني أشعر بالخوف أيضًا.. الخوف من المجهول. أَتَفَهَّم تتردُّدكم في الظهور. ربما يخيفكم مظهري، لكنْ مِن المخزي أن تقطعوا كل هذه المسافة عبثًا”.

انحنت مارلا مرة ثانية، ثم حملت بزَّتها، وسارت في اتجاه غرفة معادلة الضغط. هل كان ثمة طريقة لفتح الباب؟

“يا إلهي! (قالها بالبلغارية) استديري يا مارلا!”.

اجتاح الخوف مارلا مجددًا، كأنه نبع ماء حار، وتَفَجَّر عبر جسدها مثل النار، والثلج، والخزي، والموت. كان أصعب شيء فَعَلَتْه في حياتها هو عدم الصراخ، لأنها كانت تعلم حينئذ أنها ليست بمفردها.

جاءها الصوت من خلفها باللغة الفيتنامية. كان رقيقًا؛ حتى إنها سمعته بالكاد.

همس الصوت مجددًا: “انتظري”، ثم أردف: “فضلًا …”

أخذت مارلا نفَسًا عميقًا، ثم استدارت.

كان ثمة طيف صغير في الجانب الآخر من الغرفة، لم تتمكن مارلا من رؤية ما كان يخفيه. وضعت مارلا بزَّتها الفضائية جانبًا، وعادت لتجثو على ركبتيها أمام الطاولة، بينما كان قلبها يخفق بعنف داخل صدرها. مدت يدها ببطء، ووضعتها على الطاولة، موجهة راحتها إلى أعلى. كانت تشعر بالدم يتسارع في عروقها؛ ويتسبب في ارتعاد أطراف أصابعها مع كل خفقة. تمدد الطيف نحوها؛ فشعرت بلمسة حانية رقيقة تشبه سعف السرخس الصغير، تستكشف يدها بلمسات وجيزة خاطفة. أحاط الطيف بإبريق الشاي، وعندما تراجع، كان فنجانان قد امتلآ.

دعته مارلا إلى الحديث، قائلة: “لنتحدث معًا”.

أجابها الصوت: “كنت خائفًا”، ثم أردف: “وما زلتُ…”.

فردَّت عليه، قائلة: “هكذا كنت … ولا أزال”.

قال الصوت: “لكنّ الأمر لا يستدعي الخوف”.

فأجابته: “نعم”.

سألها: “هل شعرت بالخوف أيضًا؟”.

أجابته: “نعم”.

عاد ليسألها: “هل نحن شيء واحد؟”.

فأجابته: “نحن متقاربان بقدر كاف”، ثم أخذت مارلا قدحها. كانت الرائحة العطرة الدافئة تتصاعد؛ لتعبئ المكان من حولها. تلاشى الطيف حول الطاولة، لكن مضيفته لم تبرح مكانها، وتناولا الشاي معًا.

المصدر