الكيمياء ما فوق الجزيئية: المجاهل غير المستكشَفة في عملية التجميع الذاتي

أَلْهَمَت الطبيعةُ العلماءَ بطريقة فعالة؛ لتحضير تجمُّعات جزيئية ضخمة، ألا وهي عملية التجمع الذاتي. في العمليات الطبيعية، تتجمع نُسَخ متعددة من الوحدات الفرعية – كالبروتينات مثلًا – لكي تكوِّن تراكيب وهياكل هرمية معقدة، من قبيل الأغلفة البروتينية للفيروسات (أو ما يعرف بالقفيصة). في بحث نُشر في لدورية Nature، يورد فوجيتا وزملاؤه1 استخدامهم لعملية التجمع الذاتي لأكبر جسم شبيه بالأقفاص، تم تحضيره صناعيًّا، ذي تكوين ذَرِّي محدد بدقة-غلاف شبه كروي، مُجَمَّع من 144 عنصرًا.

في عالمنا، عادةً ما ترتبط عملية البناء بمواقع الإنشاءات، حيث تعمل مجموعة من العاملين معًا على تجميع الطوب؛ لكي يحولوا التصميم المعماري إلى واقع ملموس. وعلى الرغم من أنه يمكن النظر إلى الكيميائيين التركيبيين على أنهم مهندسو عمارة جزيئية2، فإن بناء الجزيئات عند مستوى النانو يحدث بطريقة مختلفة تمامًا. إنّ مراسم التحضير التقليدية تسمح ببناء المركّبات المستهدفة عبر سلسلة من الخطوات المتتابعة فقط، كما ينبغي تنقية المركّبات الوسطية التي تنتج بعد كل خطوة، وهي عملية تستغرق وقتًا طويلًا، وتقلِّل من العائد النهائي. وتحدّ هذه العقبات من حجم ودرجة تعقيد المركّبات المستهدفة، الأمر الذي ترتب عليه أن غالبية الهياكل التي تم تحضيرها حتى الآن لا تحتوي سوى على بضع مئات من الذرات، كما أن أطوالها لا تتجاوز عدة نانومترات (انظر المرجع 3، على سبيل المثال).

استخدم الكيميائيون عملية التجميع الذاتي بكثافة؛ من أجل بناء هياكل جزيئية فائقة، بمقاييس أطوال مختلفة، وأحجام وتراكيب متنوعة. وبصورة خاصة، تتضمن الكيمياء المعدنية ما فوق الجزيئية عملية التجمع الذاتي لربيطات عضوية ثنائية المجموعة الوظيفية، من قبيل جزيئات ثنائي البيريديل (التي تحتوي على موضعين للترابط مع أيونات الفلز) مع أيونات الفلزات، كالبلاديوم مثلًا (+Pd2). قد تُكَوِّن الهياكل الناتجة من هذه العمليات أشكالًا هندسية متعددة السطوح، تحتل فيها أيونات الفلزات رؤوس المضلعات، التي تصل بينها الربيطات العضوية.

إذا تمكَّنّا من استبدال الربيطات المنفردة في هذه المركّبات بربيطات أخرى بسهولة، فإن المنظومة التي تنتج عن هذه العملية يكون بمقدورها أن تعدِّل من وضعها، وأن تعيد تنظيم نفسها بسرعة داخل المحلول؛ لكي تصل إلى أكثر الهياكل استقرارًا من ناحية الطاقة، بحيث يكون هذا الهيكل هو الناتج الرئيس الوحيد. وفي ظل هذه الظروف الدينامية، يتم التحكم في بنية وطوبولوجيا التجمع النهائي بصورة أساسية من خلال ثلاثة عوامل: تفضيل تكوين هياكل مغلقة ومغلفة، تزيد من عدد مواضع الارتباط التي تشغلها أيونات الفلزات إلى الحد الأقصى4، بدلًا من النواتج البوليمرية؛ القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يوصل العشوائية الموجودة بالنظام (الأنتروبية) لحدِّها الأقصى، عن طريق تفضيل تكوين العديد من الأقفاص الصغيرة على حساب التجمعات الأكبر؛ وأخيرًا التكوين التفضيلي للهياكل متسقة الاتجاهات ذات المكونات الفرعية التي لا يمكن تمييزها عن بعضها البعض، من أجل تقليل طاقة السطح، وتوزيع الضغط المركز بصورة متساوية على جميع أجزاء المُكَوّن. وبناءً على ذلك.. فإن أكثر الهياكل تفضيلًا هي تلك التي تحتوي على درجة عالية من التناظر، وتتخذ أشكال المواد الصلبة الأفلاطونية (ذات الأشكال الهندسية المنتظمة متعددة الأسطح، مثل المكعبات، والهياكل ثُمانيَّة الأوجه)، أو المواد الصلبة الأرخميديسية (ذات الأشكال الهندسية شبه المنتظمة، وتتكون من هياكل متعددة الأضلاع، تجمع بينها رؤوس متطابقة).


الشكل 1. أ. التجميع الذاتي للجزيئات متعددة السطوح. تم التنبؤ5 بأنه من الممكن أن ينتج التجمع الذاتي لأيونات البلاديوم(+2) (+Pd2) مع ثنائي البيريديل (L) خمسة هياكل متعددة السطوح، تجمع بينها الصيغة العامة PdnL2n، حيث تكون قيمة n تساوي 6 ، أو 12، أو 24، أو 30، أو 60. تم تحضير المركّبات الأربعة الأوائل من هذه السلسلة69 في العقدين الأخيرين. ب. أثناء محاولتهم تحضير الهيكل الأخير في السلسلة الموضحة في أ، تمكَّن فوجيتا وزملاؤه1 من عزل الهيكل ذي الصيغة Pd30L60، وذي الشكل الهندسي غير المسبوق. صَنَّف فوجيتا وزملاؤه هذا الهيكل باعتباره ينتمي إلى سلسلة لا نهائية من الأشكال متعددة الأوجه (الشكل يوضح خمسة أعضاء فقط من هذه السلسلة)، ثم تمكنوا من عزل العضو التالي من المجموعة Pd48L96. يفتح هذا الإنجازُ بابَ الأبحاث؛ للحصول على تجمُّعات ذات أحجام ودرجة تعقيد أكبر.

كبر الصورة

وإضافة إلى ما سبق، توجد قيود تصميمية أخرى، من قبيل ضرورة ترابط أيونات البلاديوم مع الربيطات العضوية في هيئة هندسية مربعة ومسطحة، الأمر الذي يعني ضمنًا ضرورة التقاء الأطراف الأربعة عند كل رأس. وإذا ما وضعنا كل هذه القيود التصميمية قيد الاعتبار؛ فإن عدد الهياكل المستهدفة المحتملة ينحصر في خمسة أقفاص، تعبِّر عنها الصيغة PdnL2n، التي يمكن أن تكون قيمة n فيها مساوية لـ 6، أو 12، أو 24، أو 30، أو 60، ويعبر فيها الرمز L عن الربيطة5 (الشكل 1أ).

على امتداد العقدين الماضيين، شَقَّت مجموعة ماكوتو فوجيتا البحثية الطريقَ في مجال التجميع الذاتي، عن طريق تحضير ممثلين للأعضاء الأربعة الأوائل من هذه السلسلة، هم: ثُمَاني السطوح6 Pd6L12، والمكعب الثُّماني7 Pd12L24، ومعين المكعب الثُّماني8 Pd24L48، ومتعدد السطوح الاثنا عشري .Pd30L609ويعتمد نوع الهيكل المتكون على تصميم الربيطة. فعلى سبيل المثال.. يمكن لتغيير طفيف في الزاوية التي تتكون بين وحدتَي البيريديل في ربيطة ثنائي البيريديل أن تتسبب في تكوين هيكل الصيغةPd24L48 ، بدلًا من بنية الصيغة Pd12L24 (المرجع 8).

وفي هذا البحث، استهدف فوجيتا وزملاؤه الهيكل المراوغ Pd60L120، وهو آخِر الهياكل في هذه السلسلة، لكن المؤلفين تمكَّنوا – عن طريق الصدفة – من اكتشاف تكوُّن قفص Pd30L60، الذي تختلف بنيته البلورية الأحادية عن تلك التي سبق اكتشافها بجلاء9، كما أن له طوبولوجيا لا تنتمي إلى المواد الصلبة الأفلاطونية، أو الأرخميديسية. ولهذا افترض المؤلفون وجود سلسلة جديدة من الأشكال متعددة السطوح، التي تمت الإشارة إليها، باعتبارها هياكل نظرية محتمَلة من قِبَل علماء الرياضيات10، لكن لم يتم تسجيل وجودها من قبل في أي تجمُّعات طبيعية أو اصطناعية: إطارات مغلفة مغلقة، بها ثمانية مثلثات موزَّعة بصورة منتظمة، ومدمجة في منظومة من المربعات (الشكل 16 ب). وتذكِّرنا تلك الهياكل بأشكال جولدبيرج متعددة السطوح، التي تتكون من 12 شكلًا خماسيًّا، تربط بينها أشكال سداسية، وهذه الهياكل واسعة الانتشار في الأنظمة الطبيعية والبيولوجية-من قبيل تراكيب الفلورين، وقفيصات الفيروسات.

والأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو أن المؤلفين تمكنوا أيضًا من التنبؤ بأنّ العضو التالي في السلسلة Pd48L96 سوف يكون على درجة أكبر من الثبات، مقارنةً بالمركّب الذي تم عزله، واستطاعوا أن يفصلوا البلورات المنفردة لهذا التجمع الأضخم من نواتج التفاعل يدويًّا. وهذا القفص هو – بلا شك – أكبر التركيبات الجزيئية ذات التكوين الذَّرِّي المعلوم تعقيدًا من بين جميع الهياكل التي تم تحضيرها حتى هذه اللحظة، إذ يحتوي على 144 مكوِّنًا، يجمعها 192 تداخلًا بين الفلزات والربيطات.

ما هي أكبر بنية قَفَصِيَّة يمكن إنشاؤها عن طريق التجميع الذاتي؟ تزوِّدنا سلسلة جولدبيرج الممتدة لمتعددات السطوح بعدد لا نهائي من الهياكل الأكبر. ويعني هذا أنه ليس ثمة حد جوهري للحجم، لكن سوف يزداد تجاوُز العقوبات الأنتروبية صعوبةً، التي تصاحب التجميع الذاتي للأقفاص الكبيرة، وكذلك تفادي التكوين السريع غير المرغوب فيه للأقفاص الأصغر حجمًا.

هل مِن تطبيقات عملية محتمَلة لهذه الأقفاص الضخمة؟ قد تواجه الدراسات التي تتفحص كيمياء وخصائص هذه التجمعات مشاكل جمة، بسبب صعوبة تحضير تلك المركبات، خصوصًا إذا ما رغبنا في الحصول على كميات كبيرة منها، بدلًا من البلورات المنفردة. كذلك تمثل درجة ثبات بِنْية هذه الأقفاص في المحاليل وفي الحالة الصلبة مشكلة مهمة مجهولة، وذلك عند استخدامها في أي تطبيق، لكنْ على الرغم مما سبق، فإن هذه التجمعات المعدنية-العضوية الضخمة قد تتمكن من احتواء الجزيئات الحيوية الكبيرة، مثل البروتينات، عن طريق التفاعلات القائمة ما بين الضيف والمضيف، مما يؤدي إلى تثبيت الجزيئات الحيوية، ويسمح بالتحكم في بِنْيتها في الظروف غير الطبيعية.

وبعيدًا عن قيمة هذا البحث كنقطة مرجعية في عمليات التجميع الذاتي الاصطناعية، فقد تثير هذه الهياكل التي حضرها فوجيتا وزملاؤه اهتمامَ آخرين من حقول علمية مختلفة، إذ قد يبحث علماء الرياضيات – على سبيل المثال – عن هياكل أكثر غرابة، باعتبارها أهدافًا لعملية التجميع الذاتي، كما قد يبحث علماء البيولوجيا عن هياكل غير مسبوقة في أغشية الفيروسات، أو في التجمعات البيولوجية الضخمة الأخرى. والزمن هو وحده الكفيل بأنْ يخبرنا عمّا إذا كان هذا العمل التركيبي العلمي الرائع لفوجيتا وزملائه نقطة انطلاق لرحلات قادمة صوب المجاهل الكيميائية التي لم يتم استكشافها بعد، أم غير ذلك.

المصدر