كيمياء: الطريق الطويل والمتعرج إلى عملية الحفز

هناك تفاعلات كيميائية كثيرة غير قابلة للاستمرار بطبيعتها، لكنْ يمكن تعزيزها باستخدام حافز صلب، فعلى سبيل المثال، تتطلب العمليات التي يدخل فيها الهيدروجين – وهي كثيرة وواسعة الانتشار في الصناعة الكيميائية – أن يتم تفكيك جزيئات الهيدروجين (H2) في البداية إلى ذرّات في موضع الحفز. وفي بعض الأحيان، تتضمن إضافة ذرات الهيدروجين هذه إلى ذّرات أو جزيئات أخرى – كما يحدث في تفاعلات الهدرجة – انتقالها إلى نوع مختلف من المواضع الحفزية. وفي بحث نشرته دورية Nature، يذكر كريم وزملاؤه1 مجموعة ذكية من التجارب التي تقدِّم برهانًا مباشرًا على هذه الآلية أثناء حدوثها، والتي تُعرف باسم “تأثير تَسَرُّب الهيدروجين”.

وعلى الرغم من قوة الرابطة بين ذَرَّتَي الهيدروجين في جزيء الهيدروجين، وضعف قابليتها للكسر في ظروف التفاعل العادية، إلا أنه من الممكن أن يتم تفكيكها بسهولة على سطح الفلزات الانتقالية من قبيل البلاتين2. وبعض هذه الفلزات يكون غير فعال في تسهيل عملية الهدرجة، التي قد تتطلب نوعًا مختلفًا من المحّفزات. وقد عُرف قبل وقت طويل أن تفكيك الهيدروجين وتفاعلات الهدرجة يمكن أن تتمان بشكل منفصل عن بعضهما البعض؛ بمعنى أن المحفّزات التي نحتاج إليها في كل خطوة يمكن أن تكون في مواضع مختلفة في المادة الصلبة نفسها، أو حتى في مواد صلبة مختلفة، ومع ذلك.. تحفز عملية الانتقال الشاملة. وقد تم تفسير هذا السلوك على أساس تأثير تَسَرُّب الهيدروجين، الذي تنتقل فيه ذرات الهيدروجين التي تَكَوَّنت على سطح جسيمات البلاتين النانوية عبر مسار طويل ومتعرج على سطح دعامة الحافز (التي عادةً ما تكون من الأكسيد)، إلى أن تصل في نهاية المطاف إلى موقع الحافز الثاني3 (الشكل 1).


الشكل 1. آلية تفاعلات الهدرجة التي تتضمن تسرُّب الهيدروجين. عمليات الهدرجة الحفزية هي تفاعلات غاز الهيدروجين (H2) مع الذرات أو الجزيئات الأخرى، ويتطلب الأمر – في بعض الأحيان – موضعين للحفز على سطح دعامة. (أ) في البداية، يتم امتزاز جزيئات غاز الهيدروجين على سطح جسيم نانويّ فلزي. ويقوم الفلز بتحفيز تفكُّك جزيء الهيدروجين؛ الأمر الذي يؤدي إلى تكوين ذرات هيدروجين مُمْتَزَّة. (ب) تنتقل ذرات الهيدروجين عبر سطح الدعامة الأكسيدية (ويمثل كل سهم منحني “خطوة” على سطح الدعامة)، إلى أن تصل إلى موقع الحافز الثاني، في عملية تُسمى بـ “تسرُّب الهيدروجين”. (ج) يقوم الحافز الثاني بدور الوسيط في تفاعل ذرّات الهيدروجين مع الذرّات، أو الجزيئات المُمْتَزَّة الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور المنتَج النهائي. دَرَسَ كريم وزملاؤه1 عملية التسرُّب في تفاعُل استُخدم فيه البلاتين في دور الفلز، وأكسيد الحديد في دور الحافز الثاني. كذلك يقوم أكسيد الحديد بدور المتفاعل في هذه المنظومة، ويتم اختزاله إلى الحديد المعدنيّ، وينتج الماء عند تفاعله مع ذرّات الهيدروجين.

كبر الصورة

وكانت هناك محاولات عديدة لإثبات وجود تأثير تَسَرُّب الهيدروجين على مدار السنوات الماضية، لكنْ لم تثمر هذه المحاولات سوى عن أدلة غير مباشرة على وجوده4. فعلى سبيل المثال، تم استخدام رأس مصنوع من البلاتين في مجهر المسح النَّفَقِيّ في تجارب لتفكيك جزيء الهيدروجين، وتسهيل عملية هدرجة المركّبات الكربونية التي تم ترسيبها على السطح الذي يتم تصويره5. كما أشارت مطيافية امتصاص الأشعة تحت الحمراء – التي أُجريت على الحوافز المصنوعة من جسيمات الذهب النانوية المتناثرة على سطح دعامة من ثاني أكسيد التيتانيوم – إلى إمكانية تفاعل المواضع على السطح الفاصل بين الذهب والأكسيد مع ذرّات الهيدروجين الناتجة عن تفكُّك جزيء الهيدروجين على سطح الفلز6. وقد أشارت تجارب تصوير السطح أنه من الممكن تفكيك جزيئات الهيدروجين في مواضع معزولة من البالاديوم؛ من أجل تحفيز تفاعلات هدرجة على الأسطح النحاسية7. ولا شك في أن جميع هذه الدراسات مهمة وقَيِّمة، لكن الدراسة التي أجراها كريم وزملاؤه قد تكون أكثر الأبحاث المُقْنِعة التي تبرهِن على حدوث تأثير تَسَرُّب الهيدروجين حتى الآن.

استخدم كريم وزملاؤه في تجاربهم تقنية تُعرف باسم “الطباعة الحجرية النانوية”؛ من أجل إعداد سلسلة من عيِّنات الحوافز النموذجية، كما استخدموا قياسات امتصاص الأشعة السينية المحددة مكانيًّا؛ من أجل تتبُّع تطوُّر تفاعُل تم فيه اختزال جسيمات أكسيد الحديد كيميائيًّا بواسطة ذرّات الهيدروجين؛ بغرض الحصول على الحديد المعدني. وتتكون هذه الحوافز من دعامة – وهي طبقة رقيقة من أكسيد التيتانيوم، أو أكسيد الألومنيوم – رسَّب عليها الباحثون 15 زوجًا من الجسيمات النانوية. ويتكون كل زوج من جسيم بلاتين نانوي، وجسيم أكسيد حديد نانوي (وأطوالها تساوي 30، و60 نانومترًا، على الترتيب)، وتفصل بينها مسافات محددة، تتراوح ما بين 0 إلى 45 نانومترًا.

قام المؤلفون بعد ذلك بتعريض هذه الحوافز النموذجية لمحيط من الهيدروجين، في ظل ظروف معلومة (ضغط يساوي 1 ×5- 10 مِلِّي بار، ودرجة حرارة تساوي 343 كِلْفِنًا)، وسجلوا أطياف امتصاص الأشعة السينية قبل التعرُّض وبعده؛ لتحديد درجة تحوُّل كل جسيم أكسيد حديد نانويّ إلى الحديد المعدني، لكنهم لم يرصدوا سوى تحوُّل بسيط للأنظمة على أكسيد الألومنيوم، حَدَثَ فقط حين كانت المسافة بين جسيمات البلاتين النانوية وجسيمات أكسيد الحديد النانوية تقل عن 15 نانومترًا. (وقد لُوحظ القدر الأكبر من الاختزال لزوج الجسيمات النانوية التي تداخلت على سطح أكسيد الألومنيوم، كما هو مفترَض، بسبب عدم الحاجة إلى انتقال ذرّات الهيدروجين بين الحوافز).

وعلى النقيض من ذلك.. حدث القَدْر الأكبر من عمليات اختزال أكسيد الحديد في كل جسيمات أكسيد الحديد النانوية، التي وُضعت على أكسيد التيتانيوم، بغض النظر عن المسافة بين أزواج الجسيمات. استخدم المؤلفون كذلك امتصاص الأشعة السينية، لكي يوضحوا أنه عندما أُجريت التفاعلات على سطح أكسيد التيتانيوم، تم اختزال أيونات التيتانيوم في الدعامة أثناء العملية من +Ti4 إلى +Ti3 . ومِن ثم، فقد توصلوا إلى أن عملية تَسَرُّب الهيدروجين تتطلب أن تكون دعامة الحافز أكسيدًا قابلًا للاختزال.

ينبغي أن يساعدنا هذا الفهم الأفضل لعملية تسرُّب الهيدروجين على تصميم عمليات هدرجة حفزية، وكذلك على تفسير آليات التفاعلات الكيميائية المهمة الأخرى. فعلى سبيل المثال.. كان الاعتقاد السائد في إنتاج غاز الهيدروجين من الماء بمساعدة الضوء، وباستخدام الحوافز شبه الموصِّلة، هو أن الإضافات الفلزية تحفِّز عملية اختزال الماء المطلوبة، عن طريق حبس الإلكترونات النشطة التي نتجت عن امتصاص الضوء، ولكنني وزملائي نقول8 إنّ دور الفلز هو تعزيز تكوين جزيء الهيدروجين، عن طريق إعادة اتحاد ذرّات الهيدروجين المتولدة من اختزال الماء في مواضع أشباه الموصِّلات. ويَعتمِد تفسيرنا على قدرة ذرّات الهيدروجين على الانتقال من سطح شبه الموصِّل إلى الفلز؛ أي عملية تسرُّب معكوسة9. ومِن الممكن تعديل النهج الذي استخدمه كريم وزملاؤه لاختبار هذه الفرضية بطريقة مباشرة. كما يمكن مَدّ نطاق التجارب التي قام بها هذا الفريق البحثي؛ من أجل قياس الطاقة الحركية لتأثير التسرب، ومن أجل تقييم إسهامه في معدلات العديد من تفاعلات الهدرجة الأخرى.

يختم كريم وزملاؤه تقريرهم بنظرية على المستوى الجزيئي، يحاولون فيها تفسير ظاهرة حدوث التسرب على سطح أكسيد التيتانيوم، وامتناع حدوثها على سطح أكسيد الألومنيوم، على أساس النمذجة الحاسوبية، غير أن هذه النمذجة لم توفِّر مقارنةً مباشرة بين النظامين، لأنها بدأت عند نقاط مختلفة في مسار التفاعل لكل من طبقتي الأكسيد. وإضافة إلى ذلك.. فإن مُنْحَنَى الطاقة المشتقّ من هذه الحسابات يشير إلى وجود مسار فعال، ذي طاقة منخفضة لعملية تسرُّب الهيدروجين على سطح أكسيد الألومنيوم، على الرغم من عدم ملاحظة هذا المسار في التجارب. وفي الختام، يقِرّ المؤلفون بالدور المحتمَل لجزيئات الماء في تأثير التسرُّب، الذي يُعَدّ أساسيًّا في العديد من الأنظمة الحفزية، لكنهم لم يتبيَّنوا دور هذه الجزيئات بصورة كاملة. وينبغي أن تكون هذه الملاحظات أسس موضوعات بحثية مستقبلية. وعلى أية حال، فإن دراسة كريم وزملائه تكشف عن طريقة مبتكرة لفحص عملية التسرُّب، كما أنها تفتح الباب على مصراعيه لمجالات جديدة للبحث والدراسة؛ من أجل فهْم وتوظيف أفضل لهذا التأثير في عملية الحفز.

المصدر