مشروع قابلية التكرار يعطي نتائج مشوشة

محاولة طموحة لتكرار دراسات السرطان تثير الجدل.

يجري فحص عشرات الأوراق العلمية التي تستعرض الجهود المبذولة لمهاجمة الخلايا السرطانية، في مشروع مفتوح المصدر.

يجري فحص عشرات الأوراق العلمية التي تستعرض الجهود المبذولة لمهاجمة الخلايا السرطانية، في مشروع مفتوح المصدر.

Stanley Flegler/Visuals Unlimited, Inc./Science Photo Library

كان إركي روسلاتي في طريقه إلى بدء تجربة دوائية على مرضى السرطان في هذا العام، بيد أن خطته قد تكون الآن في خطر. فقد قام مشروع رفيع المستوى – يهدف إلى قياس قابلية تكرار النتائج المستخلصة من عشرات الأوراق البحثية المؤثرة، المنشورة في مجال بيولوجيا الأورام – بنشر نتائج الأوراق البحثية الخمس الأولى الخاصة به في منتصف الشهر الماضي، وكان من بينها واحدة لروسلاتي نفسه. يقول العلماء الذين حاولوا تكرار نتائجه إنهم لا يستطيعون جعل دواءه يعمل. أمّا بالنسبة إلى الأوراق الأربع الأخرى، فإن نتائج عملية التكرار كانت أقل وضوحًا.

يعترض روسلاتي – وهو عالِم في بيولوجيا الأورام في “معهد سانفورد بورنهام بريبيس للاكتشافات الطبية” في لاهويا في كاليفورنيا – على الحُكْم الصادر على بحثه. فعلى كل حال، هناك ما لا يقل عن عشرة مختبرات فى الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، وكوريا الجنوبية، واليابان قد تحققت من صحة الورقة البحثية المنشورة1 في عام 2010، التي أورد فيها – لأول مرة – أهمية العقار، وهو ببتيد مصمَّم لاختراق الأورام، وتعزيز قوة العوامل العلاجية الكيميائية الأخرى القاتلة للسرطان. يقول روسلاتي: “هل يمكن لحمَلة الدكتوراة في مختبري – المنتمين إلى ثلاثة أجيال – أن يكونوا قد خدعوا أنفسهم؟ وكذلك جميع من فعلوا الأمر نفسه؟ أَجِدُ صعوبة في تصديق هذا”.

يقول تيم إرينجتون – مدير مشروع قابلية التكرار، الذي يعمل في “مركز العلوم المفتوحة” في شارلوتسفيل في فرجينيا – إن فشلًا واحدًا لتكرار النتائج لا يثبت أن النتائج الأولية كانت خاطئة، ومِن المفترَض ألّا يضع وصمة عار على الأوراق العلمية الفردية. كما يضيف قائلًا إنه ينبغي على المحققين أن يتعاملوا مع النتائج كمعلومات، وليس كأسباب إدانة. ويتابع بقوله: “إذا كنا نرى أن أدلة شخص آخر كفيلة بأن تصعِّب الأمر على الشخص الذي أجرى البحث الأصلي، فهناك إذًا مشكلة في هذا المجتمع”.

أمّا روسلاتي، فيخشى أن يتسبب الفشلُ في تكرار نتائج أبحاثه في إضعاف قدرته على جمْع المال من أجل شركة “دراج سيندر” DrugCendR، وهي شركة تقع في لاهويا، وكان قد أَسَّسها لتطوير علاجه. ويقول: “أنا متأكد من أنه سيؤثر.. ولا أعرف إلى أي مدى سيكون هذا التأثير سيئًا”.

محاولات متكررة

“ستكون الوظائف هنا على المحكّ، إذا ما كانت النتائج سيئة”.

انطلق “مشروع قابلية التكرار: بيولوجيا الأورام” في عام 2013، كمحاولة طموحة للتدقيق في النتائج الرئيسة لـ50 ورقة بحثية حول السرطان، نُشرت في دوريات Nature، و”ساينس” Science، و”سِل”  Cell، وغيرها من الدوريات ذات معدل التأثير العالي. يهدف المشروع إلى تحديد نسبة الدراسات المؤثِّرة في مجال بيولوجيا الأورام، التي هي في الغالب سليمة، وهذا الأمر يثير تساؤلًا مُلِحًّا في هذا المجال. ففي عام 2012، أعلن باحثون في شركة التكنولوجيا الحيوية “أَمْجِين” Amgen – في ثاوزاند أوكس في كاليفورنيا – أنهم فشلوا في  تكرار 47 بحثًا من أصل 53 بحثًا مهمًّا في مجال السرطان2. وقد أورد ذلك على نطاق واسع، بيد أن الشركة لم تحدِّد الدراسات المعنية.

أما مشروع قابلية التكرار، فيجعل كل نتائجه مفتوحة للجميع؛ ما يسبب لروسلاتي شعورًا بعدم الارتياح. وبعد عامين، تم تخفيض حجم المشروع إلى 29 بحثًا فقط، بسبب القيود المفروضة على الميزانية، وعوامل أخرى.. فقد تعهدت “مؤسسة لورا آند جون أرنولد” – ومقرها في هيوستن في تكساس، وهي الممولة للمشروع – بتخصيص ما يقرب من مليوني دولار أمريكي له. ومن المتوقع أن تظهر نتائج المشروع الكاملة بحلول نهاية العام، إلا أن سبعًا من دراسات التكرار قد اكتملت بالفعل، وكان من المقرر أن تنشر دورية “إي لايف” eLife في يوم 19 من شهر يناير الماضي خمسة أعمال تم تحليلها بالكامل، بيد أن تلك الأوراق البحثية الخمس تشوِّش الصورة بعض الشيء.. فرغم فشل محاولات إعادة تكرار نتائج روسلاتي3، تمكنت محاولتان أخريان5،4 من “إعادة تكرار النتائج البحثية بشكل جوهري”، وإنْ لم تكن كل التجارب قد نجحت في تخطِّي عتبات تعكس دلالة إحصائية، كما يقول شون موريسون، أحد كبار المحرِّرين في مجلة “إي لايف”. أما الورقتان البحثيتان الباقيتان7،6، فقد حَقَّقَتا “نتائج غير قابلة للتفسير”، كما يقول، فبسبب المشكلات التي واجهت الجهود المبذولة، لا يمكن إجراء أي مقارنة واضحة مع البحث الأصلي.

يقول موريسون، الذي يدرس السرطان والخلايا الجذعية في مركز ساوث ويسترن الطبي بجامعة تكساس فى دالاس: “بالنسبة إلى أيّ شخص منتبه لما يحدث، يبدو الآن أن اثنتين – من أصل ثلاث – قد أُعيد تكرارهما”.

وكانت دورية Nature قد تحدثت مع المؤلفين المراسلين لجميع الأبحاث الأصلية المنشورة؛ فأشاد بعضهم بمشروع قابلية التكرار، بينما البعض الآخر ساوره القلق من احتمال أن يشكِّك المشروع في عملهم بشكل ظالم. يقول أتول بوتي، عالِم الأحياء الحاسوبية في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: “ستكون الوظائف هنا على المحك، إذا ما كانت النتائج سيئة”.. وهو الذى قام فريقُ مشروع قابلية التكرار – في الغالب – بإثبات مصداقية بحثه المنشور.

وقد كان السبب وراء النتيجتين “غير القابلتين للتفسير” – كما يقول موريسون – أن الأمور سارت بشكل سيئ في اختبارات قياس نمو الأورام في محاولات التكرار. وعندما حدث ذلك، لم يُسمح للباحثين العاملين على إعادة تكرار النتائج – الذين كانوا يعملون، إمّا في مختبرات بحثية بعقود، أو في مرافق أساسية في المؤسسات الأكاديمية – أن يحيدوا عن بروتوكولات مراجعة الأقران، التى كانوا قد وافقوا عليها في بداية تجاربهم (بالتشاور مع المؤلفين الأصليين). ومن ثم، قاموا – ببساطة – بالإعلان عن المشكلة. فالقيام بأي شيء آخر غير ذلك – كتغيير ظروف التجارب، أو إعادة بدء العمل مثلًا – كان سيُدْخِل بعض التحيز في الأمر، على حد قول إرينجتون.

ويقول ليفي جاراواي – أخصائي بيولوجيا الأورام في معهد دانا فاربر للسرطان في بوسطن في ماساتشوستس – إنّ هذا النوع من الصراعات يعني أن الجهود المبذولة لتكرار البحوث ليست مفيدة للغاية. ويضيف: “لا يمكنك التمييز بين سبب تافه لنتيجة ما، ونتيجةٍ أخرى أكثر عمقًا”. وفي دراسته، التي حدد فيها الطفرات التى من شأنها تسريع تشكيل الأورام، نَمَت الخلايا التي لم تحمل طفرات بشكل أسرع بكثير في بحوث التكرار7، ربما بسبب تغيرات في المزارع الخلوية. ويعني ذلك أن البحث المكرر لا يمكن مقارنته بالبحث الأصلي.

الشيطان يكمن في التفاصيل

يقول إرينجتون إنّ أوضح استنتاج من المشروع هو – في الغالب – أن أوراقًا بحثية عديدة تتضمن تفاصيل قليلة جدًّا حول الطرق المستخدَمة. أمضت فِرَق تكرار البحوث ساعات طويلة في العمل مع المؤلفين الأصليين؛ للوصول إلى البروتوكولات والكواشف المستخدَمة، بسبب أنها – في كثير من الحالات – كانت قد وضعت من قِبَل طلاب وباحثي ما بعد الدكتوراة، الذين لم يعودوا يعملون في المختبر. وحتى مع ذلك.. تتضمن التقارير النهائية قوائم طويلة بأسباب تحوُّل نتائج دراسات التكرار، بدءًا من درجة حرارة المعمل، حتى الاختلافات الصغيرة في كيفية تناوُل الأدوية. يقول إرينجتون إنه إذا كان المشروع يساعد على إبراز مثل هذه التفاصيل المربِكة؛ فإنه سيكون قد أسدى خدمة عظيمة.

ويَعتقِد آخرون أن القيمة الرئيسة لهذا المشروع هي تشجيع إثارة الشكوك. يقول جلين بيجلي، وهو أحد المؤلفين لتقرير شركة “أَمْجِين” لعام 2012: “عادةً يتخذ المحققون النتائج المنشورة في ظاهرها، ويمضون قدمًا من دون تكرار التجارب المهمة نفسها”، إلا أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة إلى ألبريخت بيبر، وهو باحث في سرطان الكبد في مستشفى فرانكفورت الجامعي في ألمانيا، حيث قام بيبر بتكرار عمل روسلاتي في مختبره الخاص8. ورغم النتيجة الأخيرة، يقول إنه ليس لديه شك في صحة بحث روسلاتي.

المصدر