يتعين علينا توضيح قواعد تَشارُك البيانات

يرى جان إيريك ليتون أن العلماء قد بذلوا كل جهدهم؛ لضمان ألا تكون القوانين الأوروبية الجديدة الخاصة بالبيانات مجحفة بحق العلم، ولكن ما زال الأمر بحاجة إلى دفعة أخيرة.

BBMRI-ERIC

سوف تُطْلِق المفوضية الأوروبية – خلال مدة تزيد قليلًا على اثني عشر شهرًا – إطار عمل قانونيًّا جديدًا؛ لضبط حماية البيانات الشخصية. فقد دارت مباحثات ونقاشات عديدة حول اللوائح المثيرة للجدل، التي مُررت في العام المنصرم، وأعرب كل من العلماء والجهات العلمية المختلفة عن قلقهم حيال القيود التي يمكن أن يكون هذا الإطار قد وضعها على استخدام بيانات الأبحاث. وعلى الرغم من أننا حققنا عدة انتصارات، إلّا أن الحرب لم تنته بعد، ولذلك ينبغي على العلماء التعاون من أجل العمل على وضع خطة متوافقة لتطبيق القواعد، ويجب أن يفعلوا ذلك سريعًا.

وبمجرد إعداد اللوائح الأوروبية، سيكون على رجالات القانون والإداريين وغيرهم من العاملين في الأنظمة والخلفيات القانونية المختلفة، أن يقوموا بتفسيرها. وتحثّ المفوضية الأوروبية المنظمات التي تمثل مستخدمي البيانات على إعداد مدونات رسمية لقواعد السلوك، من شأنها أن توضح ما يمكن وما لا يمكن فعله بلغة بسيطة وواضحة؛ وذلك بهدف تيسير عملية تقديم هذه اللوائح وتنفيذها، وعلى العلماء المساعدة في إعداد هذه المدونات؛ لضمان عدم خسارة الامتيازات التي كدَّ العلماء من أجل الحصول عليها؛ من أجل الأبحاث، أثناء عملية التفسير.

لا شك أنه ليس سهلًا على غير القانونيين استيعاب النصوص القانونية، ولكن إذا طورنا مدونات لقواعد السلوك، بحيث تكون مفهومة إلى أقصى درجة ممكنة؛ سنتمكن من مساعدة الباحثين والإداريين على الحد من الخوف غير المبرر من الالتزام بالقواعد، كما سندعم تَشارُك البيانات؛ بغية تطوير الأبحاث.

فعلى سبيل المثال.. ستسمح القواعد بإعادة استخدام البيانات لأغراض بحثية، حتى إذا كانت هذه البيانات قد جُمعت لهدف آخر، كما أنها ستساعد على تخزين البيانات الشخصية (وهي بيانات عن أشخاص يمكن تحديد هوياتهم من خلالها) لأغراض الأبحاث لمدد زمنية أطول من المسموح به لغير ذلك من الأغراض. وبتحقُّق شروط معينة، سيسمح ذلك للباحثين باستخدام البيانات الشخصية الحساسة، التي جُمعت لأغراض أخرى، مثل البيانات الصحية، بدون الحاجة إلى الحصول على مزيد من الموافقات.

وللاستفادة من هذه القواعد الخاصة، على الباحثين الالتزام بالإجراءات الاحترازية؛ لضمان تَناسُب استخدام البيانات الشخصية في الأبحاث، فعلى سبيل المثال.. عليهم التأكد من أنه لا يمكن استخدام بيانات مجهولة الهوية، بدلًا من تلك المعلومة، وأن بيانات الأفراد تُستخدم استخدامًا مسؤولًا وأمينًا وآمنًا.

تكمن المشكلة في أن الكثير من هذه المصطلحات مبهم، ومن ثم، فهذه المصطلحات تترك حيزًا واسعًا للتفسيرات، سواء من القانونيين، أم من غيرهم، ولا سيما من دولة إلى دولة أخرى، على سبيل المثال، فهناك فرق بين إخفاء الهوية، ووَضْع اسم مستعار، فاستخدام اسم مستعار يسمح بِنَسْب البيانات إلى الأفراد باستخدام “معلومات إضافية” (مثل مفتاح، أو رمز تشفير)، بينما نجد أن إخفاء الهوية يجعل المعلومات غير موجودة أصلًا. وحتى الآن، كل شيء واضح، ولكنْ في بعض الدول، مثل المملكة المتحدة، نجد أن البيانات المُتَّخَذ لها اسم مستعار (المُزالَة منها علامات التعريف الشخصية) يتم – على نطاق واسع – اعتبارها مجهولة الهوية، وذلك بمجرد تمريرها إلى الباحثين، الذين لا يستطيعون الوصول إلى علامات التعريف هذه، ولكن ليس ذلك هو الحال في بلدان أخرى، منها ألمانيا.

ويمكن لهذه الاختلافات في التوضيح والفهم أن تزرع بذور الشك عندما يطلب العلماء والمجموعات البحثية تَشارُك بيانات الآخرين، ونتيجة لذلك.. يمكن أن يستغرق الأمر مددًا زمنية لا نهاية لها، من أجل الاتفاق على الشروط التفصيلية اللازمة للتشارُك، كما قد ترتفع تكاليف المشروعات التي تتطلب مجموعات بيانات كبرى مجمعة.

يمكن لهذه الاختلافات في التركيز والفهم أن تزرع بذور الشك عندما يطلب العلماء والمجموعات البحثية تَشارُك بيانات الآخرين.

ومن هنا، نجد أن العلماء ليسوا وحدهم المستفيدين من وجود مدونة للسلوك، تفحص الأسس التي يمكن أن تؤدي إلى الالتباس وتشرحها، فالمواطنون الذين يسهمون في المشروعات البحثية يحتاجون – بل ويستحقون – إلى الاطلاع على نص موجز ومفهوم، يوضح كيف يتم التعامل مع بياناتهم الحساسة بصورة ملائمة، ومحددة زمنيًّا، وكيف تتم حمايتها من إساءة الاستخدام. ولهذه الأسباب.. علينا أن نسعى إلى وضع مدونة سلوك، تَسْرِي على أكبر عدد ممكن من المشروعات البحثية؛ لرفع مستوى الشفافية في الأبحاث الأوروبية.

يعمل “اتحاد البنية التحتية البحثية للبنوك الحيوية، والموارد الجزيئية الحيوية، والبنية التحتية للأبحاث في أوروبا” (BBMRI-ERIC) على إدارة وتطوير بنية تحتية بحثية للبنوك الحيوية والموارد الجزيئية الحيوية بالقارة الأوروبية. وقد أقام فعالية لبدء النقاشات حول مدونة السلوك التي نحن بصددها. وحيث إن هذه الفعالية بمثابة نقاش ومشورة توافقية، فقد جمعت ممثلين عن البِنَى التحتية البحثية لعلوم الحياة الأوروبية، وصناع السياسة، والجمعيات الطبية، وممثلي الصناعة، وجماعات الدفاع عن حقوق المرضى، وغيرهم من أصحاب المصلحة. ونأمل أن يتفق كل هؤلاء على خريطة طريق؛ لتطوير مدونة سلوك، وأن يلتزموا بذلك.

لم يعد هناك وقت لنخسره، فحتى يتسنى لنا إعداد المدونة، بحيث تكون جاهزة عند تفعيل اللوائح التنظيمية بحلول العام المقبل، نحتاج إلى نشر مسودة للمشورة العامة، قبل نهاية هذا العام بوقت كاف.

ومن الأمثلة الجيدة لما يمكن أن تحقِّقه الأبحاث الطبية – باستخدام البيانات المشترَكة – من نجاح، ولما يمكن أن يهدد ذلك النجاح، ما نجده عند البحث عن علاجات للأمراض النادرة. يوجد في الاتحاد الأوروبي حوالي 30 مليون شخص مصابين بواحد من الأمراض النادرة المعروفة، وعددها 6,000 مرض، ومِن المستبعد بالتأكيد أن يتوفر للدولة الواحدة عدد كاف من الحالات لدراسة أحد هذه الأمراض. ومن ثم، فالطريقة الوحيدة أمامنا لإحراز تَقَدُّم في الأمر، هي الربط بين مجموعات البيانات الخاصة بالأمراض، عبر مراكز بحثية ودول عديدة.

ومن الاعتبارات المهمة أيضًا أن الاتحاد الأوروبي يخطط لإنفاق 6.7 مليار يورو (ما يعادل 7.2 مليار دولار أمريكي) على مبادرة السحابة الأوروبية المفتوحة للعلوم European Open Science Cloud، مما يعني أن تَشارُك البيانات يجب أن يتخطى الحدود، أما إذا لم يتخط الحدود؛ فستكون السحابة غائمة بالفعل.

وعليه، فنحن ندعو المجتمع العلمي إلى أن يكون جزءًا من آخِر خطوة مهمة في هذه الملحمة المطوَّلة. ترقبوا عملية المشورة العامة، وتواصلوا مع BBMRI-ERIC؛ حتى يتسنى لكم الاطلاع على كل جديد في هذا الشأن.

المصدر