سيكولوجية اليوم الوطني ِلشعبٍ مُحب

البرفسور عبدالله عبدالعزيز اليوسف استاذ علم الاجتماع عميد كلية العلوم الاجتماعية الاجتماعية

تعيش المملكه العربية السعودية اليوم السبت ذكري اليوم الوطني المجيد لهذه البلاد المباركة بقيادة ملك الحزم والعزم خادم الحرميين اللشريفين وولي عهده الامين الامير الشاب ذو الفكرة المتميز  محمد بن سلمان مهندس الرؤية السعودية القادمة 

وعندما نستحضر ذكري اليوم الوطني 87 للملكه   العربية السعودية يبرز لنا عدة قضايا يحسن التذكير بها وعلي رئاسها وأهمها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني والتنمية بجميع أبعادها التي تعيشها المملكة العربية ألسعودية والذي كان بعد توفيق الله سبحانه وتعالى بجهود رجال مخلصين ضحوا بالغالي والنفيس لتحقيقه وقصة كفاح المغفور له بإذن الله الملك عبدا لعزيز طيب الله ثراه خير مثال وشاهد على ذلك. إن ما تعيشه المملكة العربية السعودية من استقرار ورخاء جاء بعد توفيق الله سبحانه وتعالى وجهد رجال مخلصين ضحوا بالغالي والنفيس لتحقيقه وإن أي تفريط في هذه المكتسبات الوطنية سيكون وبالاً على الجميع.

إن تذكير أنفسنا والناشئة في هذه البلاد المباركة بالمكتسبات الوطنية التي تعيشها المملكة العربية السعودية  هو من باب شكر الله على نعمه كما أنه أمر ضروري للمحافظة على ما وصلنا إليه من مكتسبات وطنية وأمن ورخاء ونعتقد أن مثل هذا التذكير أمر ضروري للمحافظة على نعمة الله علينا كما أنه يساعد الأجيال القادمة في استحضار أهمية المحافظة على هذا الوطن ومكتسباته. ومن المعروف أن الإنسان عندما لا يعايش كيفية تكوين الأشياء فإن قيمها لديه لا تصبح واضحة المعالم وحيث أن غالبية الشباب قد لا يعرفون حجم المكتسبات الوطنية التي تعيشها البلاد بسبب الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه المملكة العربية السعودية بحيث تؤخذ كمسلمات لا يفكر الفرد في أهميتها. وقد يؤدي عدم التفكير في أهميتها ومعرفة حجم التضحيات التي بذلت فيها إلى عدم المحافظة عليها لذا فإن التأكيد عليها باستمرار يعتبر مطلباً مهماً للتوازن الاجتماعي وعملية تنشئة اجتماعية ضرورية للأجيال القادمة  حيث يؤكد عالم الاجتماع دوركايم ذلك بقوله: (إنه لكي يحكم الضمير الجمعي السلوك الإنساني فإنه ينبغي صياغة الأخير وتشكيله منذ البداية). ولذا فإن تشكيل هذا السلوك يعتبر مطلب وطني ضروري.

كما  إنه لا يمكن أن نتوقع قيام تنمية واستقرار في المجتمع بدون الأمن والاستقرار. وقد قامت المملكة العربية السعودية على نموذج فريد في التنمية أرسى قواعده مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه وسار أبنائه على خطاه في نموذج تنموي حقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والأمن للمملكة العربية السعودية ويمكن استعراض هذا النموذج من خلال استعراض المحاور التالية:

المحور الأول

الأخذ بما يتلاءم من الأنظمة والقوانين العالمية مع المحافظة 

على الشريعة الإسلامية كمصدر أساس للتشريع والعقوبة

عندما تم توحيد المملكة العربية السعودية على يد المغفور له إن شاء الله الملك عبدالعزيز، وأستتب الأمن في المجتمع السعودي، بدأ الملك عبدالعزيز في وضع القواعد والأنظمة التي تساعد على تسيير الأمور في مملكته الفتية. وقرر الملك عبدالعزيز أن يخرج بدولته من النظام التقليدي البدوي العشائري، إلى نظام حديث يتسم بالتنظيم الدقيق لكافة شئون الدولة. وحيث أن الحجاز كانت أكثر المناطق السعودية حينذاك أخذاً بالنظم الحديثة والأنظمة المرتبة لشئون الحياة فقد أمر الملك عبدالعزيز بادئ ذي بدء بتعميمها على أرجاء البلاد. وفي الوقت ذاته لم تنغلق المملكة على ذاتها بل طلبت من الحكومة المصرية بصفتها من أكثر البلدان العربية تنظيم وأكثرها خبرة في ذلك الوقت المساعدة في وضع العديد من القواعد التنظيمية، والقانونية. وبالرغم من أن النظام المصري كان مشتقاً من النظام الفرنسي، إلا أن المملكة استطاعت أن تختط لنفسها نظاماً عصرياً يتماشى مع الأنظمة العالمية، وفي الوقت ذاته يجعل من الشريعة الإسلامية المرجع الرئيس في كافة التعاملات اليومية، والمعاملات الشخصية. وبالرغم من التغيرات العديدة التي ظهرت في بناء المجتمع الاقتصادي، والاجتماعي في الأربعة العقود التي تلت مرحلة التوحيد على يد الملك عبدا لعزيز رحمه الله. إلا أن السياسة التنظيمية التشريعية في المملكة احتفظت بثباتها. واستطاع المشرع السعودي أن يخضع كافة التعاملات القانونية، المنظمة للقضايا والمعاملات التجارية، والاقتصادية، والاجتماعية، لأحكام الشريعة ألإسلامية كما طوعها لتتماشى معها، مما أعطى النظام السعودي تميزاً مغايراً لما هو عليه الحال في العديد من المجتمعات النامية، التي نقلت القوانين والنظم الغربية كما هي إلى مجتمعاتها مما أوجد نوعاً من التناقض والتضارب بين ما هو سائد في ثقافات تلك ألمجتمعات وما تفرضه الأنظمة الغربية المستعارة التي لا تتوافق مع البناء التقليدي، الاجتماعي والاقتصادي لتلك المجتمعات مما أوجد لديها ضروباً من الصراعات اليومية بسبب التبعية الفكرية، والسياسية للخارج. كما ساعد على إحداث العديد من التغيرات الثقافية لتلك المجتمعات بما يتماشى مع الأنظمة والقوانين الغربية المنظمة لشئون الحياة في تلك المجتمعات. وتبرز خطورة هذه المشكلة في بعض المجتمعات الإسلامية والعربية التي يجهد المواطن نفسه مرغماً على حل قضاياه اليومية وفقاً لقانون الأحوال المدنية الفرنسي، أو النظام القانوني الإنجليزي، أو ما شابه ذلك. وحيث أن تلك القوانين لا تتوافق مع القيم والثقافة العربية أو الإسلامية فإن مواطن تلك البلدان لا يقتنع في الكثير من الأحيان بما تصدره مؤسساته القانونية والتشريعية من أحكام.

أما في المجتمع السعودي فإن تطبيق الشريعة الإسلامية كمرجع رئيس لكافة التعاملات اليومية قد أوجد قناعة تامة لدى كافة شرائح المجتمع بشرعية الأحكام وعدالتها، والمساواة في التطبيق. كما أدى تطبيق الشريعة الإسلامية إلى استتباب الأمن في كافة أنحاء المجتمع السعودي. فبالرغم من زيادة عدد سكان المملكة في السنوات التي تلت سنوات التنمية، وتضاعف عدد السكان من مواطنين، ووافدين عدة أضعاف عما كان عليه قبل مرحلة التنمية، إلا أن نسبة الجريمة في المجتمع السعودي تعد منخفضة بشكل كبير مقارنة بالعديد من المجتمعات الأخرى. حيث يعد النموذج السعودي في مكافحة المخدرات، وتطبيق أحكام الشرع في قضايا القصاص، والزنا وما إلى ذلك من أمور بدأت الكثير من المجتمعات حتى غير الإسلامية منها تنظر إليها كنماذج ناجحة لمكافحة تلك الجرائم مما حدا بالكثير من الولايات المتحدة الأمريكية إلى تطبيق أحكام الإعدام المعمول بها في المملكة (القصاص) لمرتكبي جرائم القتل. كما بدأت الكثير من الدول تنظر إلى سياسة المملكة في تطبيق حكم الإعدام لمروجي ومهربي المخدرات، على أنها تشريع ناجح أعطى فعاليته في مكافحة هذه المشكلة العالمية مما جعل البعض من تلك الدول تتبنى فعلياً تلك السياسة. وبالرغم من ظهور العديد من المنظمات الدولية التي تحارب التوجه السعودي في تطبيق الشريعة الإسلامية في أحكام المعاملات وتنعته بالتخلف والرجعية وامتهان حقوق ألإنسان إلا أن السياسة السعودية الثابتة والمؤمنة بعدالة الشريعة ألإسلامية وأنها الأصلح والأمثل في التعامل اليومي لبني البشر لم تأبه بما تقوله تلك المنظمات ولم تخضع لضغوطها أليومية بالرغم من الإلحاح الشديد التي تفرضه مثل تلك المنظمات الدولية على المملكة للتخلي عن تطبيق الشريعة في أحكام المعاملات. إلا أن ثبات المملكة على مبدأها، وتمسكها بما أمنت به جعل أغلب المجتمعات، والمنظمات تحترم السياسة التشريعية في المملكة، وتتعامل معها من ذلك المنطلق.

المحور الثاني

الانفتاح الثقافي العالمي على كافة الحضارات مع الإبقاء على الخصوصية الثقافية للمجتمع

أما البعد الثاني من أبعاد النموذج السعودي في التنمية فيتمثل في الانفتاح الثقافي المتزن الذي وضع أسسه مؤسس الكيان السعودي الملك عبدالعزيز يرحمه الله الذي قال: (إن بعض المسلمين – مع الأسف – لم يجدوا طريقة للتقدم في نظرهم عدا تقليد الأوربيين ولكنهم لم يقلدوهم فيما كان سبب قوتهم ومنعتهم ومضت عشرات السنين على الذين يدعون لتقليد الأوربيين، ولكن من منهم عمل إلى اليوم إبرة أو صنع طائرة أو اخترع بندقية أو مدفعاً)؟. وعليه فقد وضع الملك عبدالعزيز رحمه الله الأسس التي أكدت توجه الدولة السعودية في التنمية، ولقد أصبحت هذه الأسس المبنية على العقيدة الصافية، والنظرة الإسلامية الشاملة، والداعية للكسب العلمي والاستفادة من التطورات التقنية الحديثة والتعاون مع الآخرين لما فيه المصلحة والخير، جزءاً من الركائز التي قامت عليه التنمية في الدولة السعودية الحديثة، والتي نتج عنها الازدهار، والتنمية الملموسة التي شهدها المجتمع السعودي. كما أنه أكد ذلك بنفسه منذ اللحظات الأولى التي تولى فيها زمام الحكم حيث شرع في تطوير مملكته، والأخذ بالأساليب العصرية، والانفتاح الثقافي على المجتمعات العالمية، فاستحدث مدرسة تحضير البعثات، وبدأ في إرسال أبناء المجتمع السعودي في بعثات خارجية إلى كل من مصر، ولبنان، والولايات المتحدة، وايطاليا للدراسة. وهو أمر لم يكن شائعاً في إقليم نجد وباقي الأقاليم الأخرى من أقاليم الجزيرة العربية باستثناء الحجاز. كما أن السياسة السعودية لم تتقوقع على ذاتها بل أنها رأت أن تقدم الشعوب لا يمكن أن يكون إلا بالاتصال بالحضارات ألإنسانية وأن أي حضارة لا يمكن أن ترتقي إلا بالتمازج بالحضارات ألأخرى والاستفادة من تجارب الشعوب.

وعليه فقد استقدم الملك عبدالعزيز الخبراء في كافة المجالات للنهوض بدولته الفتية، إذ منهم الخبراء في مجال تحلية المياه، والتنقيب عن المعادن، والبترول، وتطوير الزراعة والثروة الحيوانية، وغيرها. إلا أن السياسة السعودية كانت واضحة وصريحة في تعاملها مع الثقافات الوافدة منذ اللحظات الأولى، حيث اشترط الملك عبدالعزيز رحمه الله على كافة الشركات العاملة في المملكة أن تخضع للنظام السعودي في كافة تعاملاتها، وأن تحترم الثقافة السعودية، والخصوصية الثقافية للمجتمع.

وقد أصبح هذا التوجه قانوناً واضحاً وثابتاً للسياسة السعودية في تعاملها مع الثقافات العالمية، حيث يخضع الوافدون إلى المملكة لأحكام الشريعة الإسلامية، كما يجب عليهم أن يحترموا الثقافة السعودية. وبالرغم من أن المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر تعد من أكثر الشعوب التي يجتمع على أرضها مئات الجنسيات والثقافات والتي تربوا على 120 جنسية من مختلف شعوب ألأرض كما يوجد بتا مئات الشركات ألعالمية بما فيها الشركات ألأمريكية والأوروبي والياباني وجميعها تخضع للنظام السعودي ألتشريعي والثقافي في كافة تعاملاتها اليومية. فعلى سبيل المثال بالرغم من أن المجتمع السعودي يعد من أكثر البلدان انفتاحاً على الثقافات الأخرى في الوقت الحاضر إلا أنه يلاحظ بالمقابل. أن كافة الشركات العالمية العاملة في المملكة تحترم الخصوصية الثقافية ألسعودية وتحور برامجها للتوافق مع تلك الثقافة ففي المجالات ألفندقية والمطاعم العالمية يلاحظ أنها تحترم الثقافة السعودية المبنية على الشريعة ألإسلامية وعليه فإنها تقدم خدماتها من ذلك المنظور حيث تقسم صالاتها إلى قسمين إحداها خاص بالرجال العزاب وآخر خاص وبالعائلات كما أنها تقوم بوضع وساتر حاجزة بين الطاولات لإيجاد نوع من الخصوصية للعائلة. كما أن كافة ألمتاجر والمؤسسات وغيرها تغلق أبوابها في أوقات ألصلاة ويخضع كافة العاملين في المملكة بصرف النظر عن جنسياتهم أو هوياتهم أو أيديولوجياتهم لأحكام الشريعة الإسلامية ف يكافة ألتعاملات حيث يمنعون من الإفطار جهاراً وفي الأماكن العامة في شهر رمضان أمام ألمسلمين كما أنه لا يسمح لهم بشرب ألخمور وما إلى ذلك من أنظمة تجعل العاملين في المجتمع السعودي يستشعرون الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع السعودي. وحينما بدأت خدمات الإنترنت في المملكة العربية ألسعودية استطاع السعوديون أن يؤقلموا هذه التقنية بما يتفق مع القيم ألإسلامية وأن يفسحوا المجال لأبناء المجتمع للاستفادة من الجانب الإيجابي لهذه ألخدمة أما الجوانب السلبية منها فإنها أخضعت لنظام مراقبة دائم يمنع من الوصول أليها حفاظاً على القيم والأخلاق وكخطوة للانفتاح المتزن المبني على الأخذ بأسلوب الانتقائية الإيجابية. ولهذا استطاع مقدم الخدمة السعودي أن يقنع كبرى الشركات العالمية المقدمة لهذه الخدمة وأن يخضعها لشروطه ألخاصة حيث تم حجب العديد من المواقع الإباحية.

واليوم المملكه العربية السعودية تواصل المسيرة بقيادة ملك الحزم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظة الله وولي العهد الامير محمد بن سلمان وفقه الله

حفظ الله المملكه العربية السعودية قيادة وشعب والي الامام بحول الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

اعداد

البرفسور عبدالله عبدالعزيز اليوسف

استاذ علم الاجتماع

عميد كلية العلوم الاجتماعية 

الرياض 23 سبتمبر

المصدر