الدولة السعودية الجديدة … وتحقيق شروط النهضة!!

د. غسان عسيلان  عميد مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للدراسات الإسلامية المعاصرة وحوار الحضارات

يُعد الفساد من أخطر الأمراض التي تفتك بالأفراد والمجتمعات بكل عنف وضرواة، فعندما يستشري الفسادُ في أية مجتمع، ويتغلغل في مؤسساته المختلفة ينخرُ كالسوس في بنيته الاقتصادية والاجتماعية ومنظومته القيمية والأخلاقية، ويُلحق أبلغَ الضرر بهذا المجتمع ويُكَبِّدُ أبناءه أفدحَ الخسائر، ويُعيق نموه وانطلاقه وتطوره في مختلف المجالات.

والفسادُ داءٌ خطير سريع التمدد والانتشار، فلا تحُدُّه حدودٌ، ولا تمنعُه فواصِلُ، ويطَالُ المُجتمعات كلَّها وإن كان بدرجاتٍ مُتفاوِتة، وعندما يتفاقم ويستفحل خطرُه يؤدي إلى ضَياعٍ في الأموال والأملاك، وضِيقٍ في المعايش والأرزاق، وسُقُوطٍ للمبادئ والأخلاق.

وللفساد والإفساد في الأرض صور وأشكال مختلفة وألوان متعددة، ولا يجادل أحد في أن الفساد قد انتشر في أنحاء مختلفة من عالمنا العربي، فأصبحنا نشاهد في كثير من الأماكن: الفساد الاقتصادي والإداري والسياسي والاجتماعي والأخلاقي، بل وحتى الفساد العلمي والديني.

والإسلام كما نعلم هو دين الصلاح فهو يدعو إلى الخير والإصلاح ويَنْهى عن الشرّ والإفساد، وعندَ تدبُّر كتابِ الله تعالى والتأمُّل فيه نرى تحذيرًا شديدا من جميع أنواع الفساد؛ ليكون المسلم على حذرٍ منها، وقد جعل الله تعالى الإفساد نافيا للإصلاح، لأن المفسدين يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء152] 

والمجتمع السعودي بكل ما فيه من خير وصلاح ولله الحمد، إلا أنه كغيره من المجتمعات البشرية قد يظهر فيه بعض صور الفساد، ولكن ولاة الأمر ـ حفظهم الله ـ لا يدخرون جهدا في سبيل حماية هذا المجتمع من كل صوره وأشكاله المختلفة، ويؤكد ذلك ما أصدره سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – أيده الله – من أمر ملكي سام بتشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد بمختلف أشكاله، يترأسها سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز  ولي العهد وزير الدفاع حفظه الله.

وفي الواقع إن الأمر الملكي الكريم بتشكيل هذه اللجنة العليا لمكافحة الفساد يأتي انطلاقا من اهتمام ولاة الأمر ـ سددهم الله ـ برعاية مصالح البلاد والعباد، ورغبتهم الحاسمة والحازمة في حفظ المال العام من الإهدار والضياع؛ دفعا لمسيرة البناء والتطور والتنمية المستدامة.

ولا شك أن تشكيل اللجنة العليا لمكافحة الفساد ينبع من حرص سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – على مصلحة الوطن والمواطن، كما يعبر بصدق عن استشعاره أيده الله لخطورة الفساد وآثاره السيئة على الدولة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وأمنياً، ومن هنا كان لابد من خطوة جريئة قوية تُرهب المفسدين وتقض مضاجعهم، وتبعث في النفوس مشاعر الطمأنينة والاستقرار؛ لمواصلة العمل البنَّاء نحو التقدم والازدهار في جميع القطاعات، من خلال تحريك عجلة الاقتصاد، وتحفيز الاستثمار في بيئة صحية عادلة.

ومما يثلج الصدور ويجعل نفوس أبناء شعبنا الوفي مفعمة بالأمل والتفاؤل ما أكده الخبراء من أن مكافحة الفساد على هذا المستوى سوف يعزز برامج التنمية، ويكرس المنهج الإصلاحي الذي تتبناه حكومة سيدي خادم الحرمين الشريفين في اجتثاث الفساد، وتقوية وتعزيز المنظومة الرقابية وفق مبادئ المحاسبة والعدالة، وكل ذلك يصب في حماية المال العام وضمان حقوق الدولة وحماية حقوق الأفراد والمؤسسات.

ومما يلفت الانتباه أن اللجنة العليا لمكافحة الفساد مشكلة من مستوى رفيع من رجال الدولة حيث يترأسها سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز  ولي العهد ـ حفظه الله ـ وبعضوية جهات عدة من أصحاب الاختصاص، وهذا يعكس مدى الجدية والاهتمام بمكافحة الفساد والتخلص منه لأنه يهدد أمن واستقرار وتقدم المجتمع، ويبعث على الارتياح أن هذه اللجنة سوف تقوم بحصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة بقضايا الفساد العام في المملكة العربية السعودية بمهنية واحتراف.

كل هذا يجعلنا نستبشر خيرا بميلاد الدولة السعودية الجديدة على يدي سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – يعاونه في ذلك ويشدُّ من أزره عضُده سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد وزير الدفاع ـ أيده الله ـ 

ومما يبعث على الاعتزاز والفخر والأمل والتفاؤل أن هذه الانطلاقة الجادة لإرساء دعائم الدولة السعودية الجديدة تنهض على أكتاف الشباب ممثلة في شاب قوي أمين هو سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ مرتكزة على دعائم قوية راسخة في مقدمتها النزاهة والشفافية وطهارة اليد، وتحقيق العدالة والمساواة، وتوفير الشروط المطلوبة لانطلاق الإنسان السعودي ليقدم للعالم أجمع نموذجه المشرق الوضَّاء لدولة عصرية ناهضة تحفظ هويتها، وتنهج منهجا معتدلا يقوم على الوسطية والتسامح، وتأخذ بأسباب النهوض والتقدم.

 

عميد مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للدراسات الإسلامية المعاصرة وحوار الحضارات

د/ غسان بن محمد عسيلان

المصدر