خلال لقائه طلاب جامعة الإمام في محاضرة علمية بعنوان “موقف المسلم من الفتن الشيخ الفوزان : على المسلم لزوم جماعة المسلمين وإمام المسلمين ويبتعد عن الفرق المخالفة .

أكد معالي الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء أن الفتن والابتلاء والاختبار، سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه أن يبتليهم، ولا يتركهم من غير ابتلاء لأنهم لو تركوا من غير ابتلاء لم يتميز المؤمن من المنافق، ولم يتبين الصادق من الكاذب، ولحصل الالتباس كما قال الله سبحانه وتعالى: (الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) .

جاء ذلك في المحاضرة التي نظمها البرنامج التوعوي (آمن) بقاعة الشيخ محمد بن إبراهيم بمبنى المؤتمرات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، اليوم الأحد 8/3/1439هـ ، ونقلت إلى 68معهداً علمياً داخل المملكة العربية السعودية، ومدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للطالبات، وألقاها سماحة العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان  تحت عنوان “موقف المسلم من الفتن”  بحضور معالي مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو هيئة كبار العلماء الشيخ الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالله أبا الخيل, ووكلاء الجامعة، وعمداء الكليات، والعمادات المساندة، وجمع غفير من الحضور.

 في البداية رحب معالي مدير الجامعة بسماحة العلامة الشيخ صالح الفوزان معتبراً أن الجامعة منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهم الله –  تجد كل الدعم والتأييد لأداء رسالتها، مرحباً بسماحة الشيخ العلامة صالح الفوزان للغرف من زلال فكره والاستفادة من توجيهاته. 

بعدها ألقى سماحة الشيخ الفوزان محاضرة بين فيها أن الفتنة جمع فتن وهي الابتلاء، والله سبحانه وتعالى يجري الفتن ليظهر ويُعلم الصادق من الكاذب، ولولا ذلك لم يميز بين هذا وهذا والتبس الأمر ووثق المسلمون بمن يظهر لهم الإيمان والإسلام ، وهو على خلاف ليخدع وليغش لأجل أن يحذروه ولا يثق به على أسراره وعلى أموره، ولو لم يكن هناك فتن ما عرفوه ولاختلط المؤمن بالمنافق، واختلط الصادق بالكاذب وحصل الفساد ولم يتميز هذا من هذا، ومن حكمته ورحمته أنه يجري هذه الفتن لأجل أن يمايز بين الفريقين.

فالله سبحانه وتعالى حكيم في صنعه، وفي ما يجريه بهذا الكون، فالله قال لنا: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ)، (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) من اختلاط المنافقين والكاذبين مع المؤمنين الصادقين لأن هذا يحصل به ضرر كبير على الدين والدنيا، (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ) وذلك بالفتن التي يجريها على عباده، (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أنتم لا تعلمون ما في القلوب، فكثيرون بمن أظهر لكم الولاء والصدق والمصادقة والإيمان لأنكم لا تتطلعون على ما في قلبه، وهو عدو متربص، فلما كان الناس لا يعلمون ما في القلوب جعل الله هذه الفتن مظهرة لما في القلوب من المحن والكذب والنفاق، فإنها إذا جاءت الفتنة تكلم المنافقون فعرفوا وانحازوا إلى الكفار، ولم يثبتوا، وأما في وقت الرخاء فهم لا يُعرفون ويخدعون ويكذبون ويمارسون أعمالهم الخبيثة.

والفتن لا تكون في وقت دون وقت، بل الفتن في جميع أطوار الخليقة كما قال الله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وهذه سنة الله في خلقه سبحانه وتعالى، والفتن متنوعة، تكون الفتن في الدين، وتكون الفتن في المال، وتكون الفتن في الأولاد، وتكون الفتن في المقالات والمذاهب والاختلاف، فهي متنوعة، والله سبحانه وتعالى يجريها على عباده لنصرة دينه وخذلان أعدائه المتربصين: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) يعني: ينتظرون بكم ، (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً* إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) .

وبين العلامة الشيخ الفوزان أن الفتن على اختلاف أنواعها وتعددها منها فتنة الشبهات والخوض في أمور الدين، وظهور المقالات المخالفة، وظهور الفرق المخالفة هذا من الفتن في الدين، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ من بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) فالرسول ما ترك شيئا إلا وضحه لنا، وبينه لنا، ومن ذلك أنه بين موقف المسلم من هذه الفتن: أنه يكون على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ويلزم ذلك ويصبر عليه، ويكون على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هذا فيه النجاة من الفتن، وهذا موقف المسلم من الفتن أنه لا ينخدع ولا ينجرف معها، وإنما يبقى على دينه، ويصبر عليه، وله قدوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لاسيما الخلفاء الراشدين المهديين .

وأضاف الشيخ الفوزان أن من المنجيات من هذه الفتن وموقف المسلم منها: أنه يلزم جماعة المسلمين وإمام المسلمين الموجودين في عهده، فيكون مع جماعة المسلمين وإمام المسلمين ويبتعد عن الفرق المخالفة، لأن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتن قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. من ذلك أنه سأله: ماذا يصنع؟ ما تأمرني إن أدركني ذلك؟ أي وقت الفتن الاختلاف. قال : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ما داموا موجودين ولو كانوا قلة، إذا كانوا على الحق تلزمهم وتكون معهم، وتكون تحت إمامهم – إمام المسلمين-  لأن هذا منجاة من الفتن بإذن الله، تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ولا تنجرف مع المنجرفين، ونتمسك بديننا وننحاز مع جماعة المسلمين وإمام المسلمين هذا هو النجاة من الفتن عند حدوثها، ولا نغتر بالدعايات، ولا نغتر بزخرف القول، ولا نصغي إلى الشبهات التي تحاول أن تجتثنا من جماعة المسلمين وإمام المسلمين فهي كلها على ضلال تائه لا تدخل معها فهذا موقف المسلم من الفتن، أن يأخذ بكتاب الله عز وجل، وأن يأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه خلفاؤه وأصحابه، ويكون مع جماعة المسلمين أينما وجودوا ومع إمام المسلمين، وإذا لم يكن هناك جماعة ولا إمام فإنه ينجوا بنفسه وينحاز عن هذه الفرق كلها حتى يدركها الموت وهو ومتمسك بدينه وعلى سنة نبيه.

وأوضح الشيخ الفوزان أن فتنة المنافقين أخطر، لأنهم يعيشون بيننا وربما يكونون من أولادنا، ومن جماعتنا إنهم يتربصون بالمسلمين الدوائر، وينحازون مع العدو دائما، إذا جاءت الفتن انحازوا إلى العدو وتركوا المسلمين، واليوم كما تعلمون فإن الكفار قد أقبلوا على المسلمين بقبضهم وقضيضهم ومختلف مكرهم وأسلحتهم وكيدهم يريدون القضاء على الإسلام والمسلمين وصاروا يتكلمون بألسنتهم ويقولون ما يقولون، ولكن كل هذا لن يضر الإسلام والمسلمين.

 ووجه سماحته كلمة لطلاب الجامعة بأن يعدوا أنفسهم للمواجهة والمدافعة بسلاح العلم والحجة والبرهان، وبهذه الأمور ستغلبون لنصرة دينه وكتابه وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم،    وجامعة الإمام تحظى بحمد الله بكليات متخصصة شرعيًا للمدافعة عن الفتن والشرور التي تحيط بنا من خلال إرساليات أعداء شريسين، وأن يكونوا متسلحين بكتاب الله وسنة رسوله، والالتزام بطاعة ولاة الأمور قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً).

وأكد العلامة الشيخ الفوزان  أننا في وقت كما تعلمون كثرت فيه الفتن وكثرت فيه الإشاعات المغرضة والتحريشات الباطلة، فعلينا أن نتثبت وأن لا ندخل في شيء ليس من شؤوننا، وهذه الأخبار والإشاعات من الكفار والمنافقين الذين يبثونها بواسطة هذه الأجهزة الحديثة الإنترنت في المواقع في غير ذلك فعلينا أن نتثبت وأن نتمسك بديننا فما كان منها كذباً رفضناه ولم نلتفت إليه ، وما كان منها صحيحاً يتعلق بمعين من المسلمين فإنه يناصح له. وإن كان هذا الخبر الذي جاءنا أو نشر يتعلق بجماعة المسلمين وبإمام المسلمين فإنه يرجع فيه إلى أهل الحل والعقد ولا يتناوله كل أحد، قال الله جل وعلا: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) فالأمور التي تتعلق بالأمن أو الخوف من أمور المجتمع من أمور المسلمين يرجع النظر فيها إلى الرسول؛ وذلك بالرجوع إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، لأنه صلى الله عليه وسلم بين لأمته كل شيء يحتاجونه لاسيما في المشاكل. فقد وضع لها صلى الله عليه وسلم الحلول الناجحة بأمر ربه سبحانه وتعالى، وإلى أولي الأمر يرجع فيه إلى أولي الأمر، وهم العلماء وأهل العقول من الولاة والقادة وأصحاب الرأي الذين لهم ممارسات صحيحة وتجارب صحيحة ليحلوا هذا المشكل ويلتمسوا له العلاج النافع، فالأمور ترد إلى نصابها ولا يتولاها الدهماء والعامة والجهال وتكون موضوعاً لأحاديث المجالس كما عليه الواقع، فعلى المسلم أن يكف لسانه عما لا يعنيه، أو عمَّا يحدث الفوضى والشرور بين المسلمين.

وبين سماحته: أن علينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى، ولاسيما في هذه الأيام التي كثرت فيها الشائعات التي تروج في الإنترنت وفي بعض وسائل الإعلام ومن وراءها من الكفار والمنافقين الذين يوقدونها، فعلينا أن نكون على بصيرة من أمرنا وأن نتمسك بديننا وأن نبتعد عن الفتن وأسبابها وأن نسعى في الإصلاح بين الناس.

وفي ختام هذه المحاضرة قام سماحة الشيخ صالح الفوزان بالإجابة عن أسئلة الحضور.

المصدر